Skip to main content

رؤية مستقبلية للصراع في العالم العربي والإسلامي 2-2

في كتابٍ جديد بعنوان: (الإسلام والغرب بين المنافسة والصراع- رؤية مستقبلية للواقع العربي والإسلامي والعلاقة مع الآخر) لمؤلفه د/ محمد بن عبدالله السلومي كتب المؤلف في القسم الأول منه عن قراءته التاريخية ودوافع المنافسة بين الإسلام والغرب، وإشكاليات الصراع الغربي الإسلامي، وخلُص المؤلف بمعطيات تاريخية تُسهم في تحديد نوع العلاقة مع الغرب، وهل هو غرب واحد؟ أو متعدد؟ وهل العلاقة المثلى تكون بالحوار؟ ومع من يكون هذا الحوار؟ أو أن العلاقة بالمقاومة والجهاد؟ وضد من ستكون هذه المقاومة والجهاد؟ وهل هذه المقاومة والجهاد اختيارية أو حتمية فرضها الخصوم والأعداء؟! وهل سيكون كلاًّ من الحوار والجهاد عامل إنجاح للآخر في حسم الصراع؟

كما أن هذه القراءة التاريخية بمعطياتها ونتائجها استدعت (الرؤية المستقبلية) للعالم العربي والإسلامي في ظل استراتيجيات معادية وصراعات وحروب حالية وقادمة، وقد نشرت مجلة البيان مشكورةً مختصراً مفيداً عن أبرز مؤشرات هذه (الرؤية المستقبلية) في حلقتين متتابعتين، دون تفاصيل الرؤية بنتائجها ولوازمها، وهذه الحلقة (الثانية) منها:

الرابع: التدخل الروسي في سوريا:

التدخل الروسي الأجنبي المباشر في سوريا مؤخراً في نهاية عام 2015م وما يحويه من اتفاقيات غربية روسية إيرانية، إضافة إلى شراكة الاتفاقيات الروسية مع العدو الصهيوني مؤشر لصراع طويل وعنيف، والجانب العقدي الديني غير مستبعد في هذا الصراع وهو ما يُعقِّد الحل، وذلك بحسب تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي أكد فيه – مثل غيره – على أن الصراع هو مع الإسلام السُني ودوله وشعوبه، باختلاف في الأهداف الثانوية للدول، وقد عبَّر الوزير عن هذا بقوله: «إن الصراع يدور في المنطقة كلها، وإذا سقط النظام الحالي في سوريا فستنبثق رغبة قوية، وتُمارَسُ ضغوط هائلة من جانب بعض بلدان المنطقة من أجل إقامة نظام سني في سوريا، ولا تراودني أي شكوك بهذا الصدد.. ويقلقنا في هذا الوضع مصير المسيحيين، وهناك أقليات أخرى كالأكراد والعلويين وكذلك الدروز»[1]!

ويُضاف لمؤشرات الصراع أن الدوافع الدينية حاضرة وبقوة في هذا الصراع، حيث الدور الجديد للكنيسة الأرثوذوكسية الروسية، وجهودها العملية الجادة لإعادة صياغة الهوية النصرانية الروسية للوقوف أمام الثقافات والأيديولوجيات الأخرى، وعلى رأسها الإسلام، فالحكومة الروسية ترى أن المد الإسلامي في روسيا يتطلب هذا الغزو الجديد، ومن مظاهر هذه العودة للهوية الروسية النصرانية – بعد فشل الشيوعية هويةً للروس – وجود لجان رسمية تعمل منذ 2011م لتنصير جميع مظاهر الحياة في روسيا: في القانون والأسرة والمجتمع والثقافة والمظاهر العامة. ومن أهمية إعادة هذه الهوية الدينية لروسيا أن بلغت ميزانية الكنيسة وحدها ما يفوق ميزانية وزارتي التعليم والتعليم العالي مجتمعتين، واعتماد الحكومة الروسية في بداية صيف 2012م لمشروع بناء 300 كنيسة في موسكو وحدها مؤشر لما سبق، بينما لم يسمح للمسلمين إلى الآن أن يبنوا مسجداً جديداً واحداً بعد المساجد الأربعة القديمة في موسكو؛ برغم أن المسلمين في تزايد كبير، وبرغم توفر تمويل مشروعات البناء الجاهزة على طاولة الجهات الرسمية والتي لم يُسمح بالبدء فيها.

لقد أصبح الروس يسابقون الأمريكان في صناعة الصراع بأرض الإسلام والمسلمين في استباحة أرضهم ودينهم وحقوقهم لتحقيق أهدافهم الإستراتيجية، ومنها بناء قواعدهم العسكرية في الشام، وتحديداً في سوريا بأهداف أوسع من القضية السورية، علماً أن تدخل الروس في شؤون المنطقة بالتعاون الإيراني لا يُستبعد منه حضور بعض العوامل الدينية الأخرى، مثل الخوف من مسلمي آسيا الوسطى والقوقاز وروسيا، ولاسيما أن بعض المجموعات الجهادية من هذه الدول لها حضورها في الساحة السورية حيث القلق الرسمي من رجوعهم إلى بلدانهم بأفكار جهادية، بحسب رأيهم، مع اعتبار أن المصالح الاقتصادية والسياسية لروسيا الاتحادية لها وزنها الكبير في الأهداف، وهذا الواقع يعد مؤشراً من مؤشرات إذكاء الصراع وحروب الدمار.

الخامس: الدعم الصيني:

يعد الدعم الصيني الذي سبق تدخل روسيا الاتحادية وتلاه في الشأن السوري بطريقة غير مباشرة مما يطيل أمد الصراع أو يُذكيه، وقد برز هذا الدعم بالتصويت الصيني الدائم بحق الرفض (الفيتو) مع روسيا في مجلس الأمن في أي موضوع يتعلق بسوريا، لاسيما أن هذا الموقف الصيني يأتي في ظل تباعد صينيٍ أمريكي حول ملفاتٍ متعددة بين الطرفين، وفشلٍ في التقارب بينهما إلى حدٍ يُشكل خطورةً في الصراع، وقد يكون هذا التدخل الصيني المباشر أو غير المباشر لتقاطع المصالح السياسية والاقتصادية للصين مع روسيا ضد أمريكا، مع عدم استبعاد عداوة المنهج السني من حكومة الصين  حيث تعد مسلمي الأيغور وإقليم سنكيانغ مصدر خطرٍ مستقبلي على وحدة الصين – كما يزعمون – لاسيما في ظل وجود أعداد من الجهاديين الصينيين الوافدين إلى سوريا، وفي ظل بعض الأصوات الانفصالية في عدد من الأقاليم الصينية المسلمة.

ويؤكد هذا التدخل وزير الخارجية الصيني فانغ تشي خلال اجتماع مجلس الأمن، حيث قال: «لا يمكن للعالم أن يسمح لنفسه بأن يبقى متفرجاً ومكتوف الأيدي تجاه ما يجري في سوريا، ويجب عليه ألا يتصرف بطريقة غير منطقية تجاه ما يجري من أحداث تضرب الإنسانية في الصميم»[2]، ويبقى أن هذا الدعم والتحالف الصيني مع الروس مؤشر لصراع أوسع.

السادس: تركيا والاستهداف:

من مؤشرات صناعة الصراع في المنطقة استهداف تركيا بالحروب وتأجيج الصراعات القائمة على دعم الدعوات الانفصالية وحركاتها داخل تركيا مثل لواء الإسكندرون الذي يقطنه نصيريون داخل تركيا وضمه للدولة النصيرية المقترحة للعلويين في الأراضي السورية، ومثل الدعم الغربي للحركات الكردية السياسية والعسكرية في الجنوب الشرقي لتركيا المتمثلة بالحزب الديمقراطي الكردي وحزب العمال الكردستاني للانضمام مع أكراد سوريا أو العراق أو كليهما لتحقيق مشروع  تكوين الدويلات الطائفية في المنطقة، وتفتيت وحدة تركيا وغيرها، ويلاحظ أن تركيا أفلتت عبر سنوات مضت في استثمارها للعبة الديمقراطية في ملاعبها الخاصة بها، واستفادت من قواعد اللعبة حينما استخدمتها بشكلٍ جعلها لاعباً دولياً رئيساً في المنطقة، وفوَّتت بذلك كثيراً من المؤامرات عليها، وصاحب هذا الاستثمار السياسي نجاحٌ سياسي واقتصادي أصبح من مصادر القلق للغرب المتعصب والشرق على حدٍ سواء، وكذلك إيران والحكومة السورية.

ويتأكد استهداف تركيا في إدخالها حلبة الصراع والنزاع أنها تعد الأب الروحي للمسلمين في آسيا الوسطى والقوقاز، كما هي الأب الروحي للمسلمين في بلاد البلقان، وحيث دورها التاريخي الموحَّد للمسلمين في آخر خلافة لهم، ويبقى أن هذا الاستهداف قائم ومستمر ليكون في الوقت ذاته من مؤشرات الصراع في المنطقة.

وقد عبَّر الكاتب أحمد موفق زيدان عن خطر التدخل الروسي في سوريا على تركيا، وأنها مستهدفةٌ فيه بدرجةٍ رئيسية حينما قال: «على تركيا أن تعي أن الانتشار الروسي ليس موجهاً إلى أبطال الشام فحسب، فطبيعة الانتشار الروسي وحجمه وتوسعه تشير إلى أن الأمر أبعد من الشام، وإلا فما الداعي إلى أنظمة مضادات جوية متنقلة، وطائرات متطورة وتوسيع مطارات إن لم يكن المقصود بها تركيا بالدرجة الأولى، وهنا على تركيا أن تتبنى المشروع الشامي وليس فقط الاكتفاء بدعمه وتأكيدها على أن المهاجرين السوريين ضيوف، وعلينا مساعدتهم وضيافتهم، فالضيف لا يجلس سنوات عند مضيفيه، فالمؤامرة والمشروع الروسي – الإيراني الطائفي في سوريا يستهدف تركيا قبل أن يستهدف الشام، وما لم يتم تعبئة تركيا بكل شرائحها ومجتمعها في هذا الاتجاه تماماً كما حصلت تعبئة المجتمع الباكستاني إبان الغزو السوفيتي لأفغانستان، فإن الكارثة ستحل بها ولات ساعة مندم»[3].

السابع: المنافسة الصينية – الغربية:

مما قد يعد من مؤشرات الصراع المعاصر والقائم بعض المؤشرات حول سقوط النظام الدولي أو ضعفه خاصةً في ميادين المنافسة الاقتصادية، فقد أنشأت الصين البنك الدولي الصيني الآسيوي AIIB عام 2014م، بانضمام وشراكة روسية قوية، وحوالي ٦٠ دولة بما فيها بعض الدول الأوربية وانضمامٍ لدول جديدة بصفة مستمرة، ويعد هذا البنك منافساً للبنك الدولي الغربي وصندوق النقد الدولي لأنه يحد بشكل كبير من الهيمنة الأمريكية على النظام المالي العالمي، بل ويؤجج صراعات النفوذ بين مؤسسات التمويل الدولية، خاصةً البنك والصندوق الدوليين اللذين تهيمن عليهما الولايات المتحدة، ويلاحظ أن الولايات المتحدة واليابان رفضتا المشاركة في المشروع[4].

وعلى مستوى أعمال هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها أنشأت روسيا والصين وبعض دول أمريكا الجنوبية «المنتدى العالمي لحقوق الإنسان» لينافس الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية، لاسيما بعد أن فشلت أستاذية حقوق الإنسان الغربية، وانكشف خداع الشعارات الإنسانية الغربية المزيفة لدى الشرق والغرب، خاصةً أن هذا المنتدى نجح إلى حدٍ معين في دورته الأولى في البرازيل، ثم بدورته الثانية بالمغرب عام 2014م بحضور وتمثيل من 94 دولة، وكل ذلك يعد مؤشراً لتأجيج صراعات النفوذ، لاسيما في حال استحضار بعض القناعات بأن النظام العالمي بقوانينه ومؤسساته ونظامه الاقتصادي الربوي نظام بشري قابل للسقوط في أي وقت، وكذلك في حال تخطئة واستبعاد المقولة عن فشل «إنشاء الملاعب الجديدة» التي تقول: «الواقع العملي أنه لا أحد يستطيع إنشاء ملعب جديد، بل العالم كله في ملعب واحد، ولا مناص عن النزول إلى هذا الملعب وأن تلعب فيه بقوانينه التي يفرضها القوي ثم يغيرها لصالحه، وفي ظل هذه القوانين تجاهد لتعديل قوتك وتغيير القوانين طبقاً لموقعك الجديد.. هكذا فعلت كل حركات التغيير»[5].

الثامن: غياب العدالة:

من معززات الرؤية عن مستقبل الصراع الدولي في العالم العربي الإسلامي تحديداً غياب العدالة الإنسانية الدولية لاسيما بحق الشعوب المسلمة، وسقوط ما يُسمى بالشرعية الدولية إلى حدٍ كبير، حيث تَعرَّى النظام الدولي بأذرعه المتوحشة غير العادلة، وأصبح جزءاً من المشكلة وليس الحل، لاسيما حينما فشلت المنظمات الأممية الإنسانية والسياسية في معالجة قضايا العالم إلى حدٍ كبير وخاصةً أزمات العالمين العربي والإسلامي، وانكشفت حقيقة قيم هذا العالم تجاه حقوق الإنسان خارج دول الغرب، وأصبح مجلس الأمن بانحيازه ضد قضايا العرب والمسلمين وحق الرفض (الفيتو) عوامل مساعدة لكثير من الانتهاكات، بل عوامل لشرعنتها دولياً.

ومن غياب العدالة أو تغييبها استمرار حصار القطاع الخيري الإسلامي وحجبه عن الإسهام في رفع المعاناة عن الشعوب المسلمة، وهذا الواقع يؤكد أن هذا الملف من الملفات الإستراتيجية الغربية الاستباقية التي تعمل على منع النصرة والتراحم والتعاطف بين الشعوب الإسلامية، بل وتكريس أزمة الثقة بين الحكومات والشعوب، وما يترتب على ذلك من إذكاء العداوات والصراعات والكراهية لتتوافق مع صناعة السياق العام للصراع وللأحداث في المنطقة، وهذا المنع للماعون في الوقت ذاته مؤذن بعقوبات وكوارث وفتن وصراعات، بل إن غياب العدالة مما يصنع التطرف والعنف بميلاد جماعات ودول تقفز على العدالة، وسوف تجني دول الغرب لهيب صناعتها للصراع أو تأجيجه في دول العالم الإسلامي، كما سوف تدفع ثمن تغييب العدالة عن الشعوب المسلمة، حيث ستنشط هذه الجماعات داخل دول الغرب بعمليات إرهابية متكررة وكبيرة، كما سوف تُستَهدف الرعايا الغربية في أنحاء العالم، وهي إفرازات طبيعية لإرهاب الدول.

وكل ذلك مؤذن بمخاطر وخيمة على الأمن والسلام الدوليين، ومؤشر لصراع أكثر دموية بين تحالفات دولية وإقليمية.

التاسع: مشروع التفتيت والتقسيم:

يعد العمل على تفتيت المفتت من العالم العربي الإسلامي وتقسيم المقسم منه، وعدم الاكتفاء بتقسيم «سايكس بيكو» واعتبار مدتها التاريخية قد انتهت بحق دول العالم العربي والإسلامي من مؤشرات الصراع، ويؤكد مشاريع التفتيت حقيقة الحلم الأمريكي في تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الكبير في نسختيه 1993م و2003م الذي فشل أو تأخر عن موعده، وما في ذلك من صناعةٍ لخرائط جديدة لجغرافية المنطقة بأكملها، وهي تقسيمات تعيد الهيمنة الغربية على المنقطة من جديد، وتجهض مشروع سيادة الأمة الإسلامية ونهضتها، إضافةً إلى أن الحروب مما يعزز الاقتصاد العالمي ويحركه، وهو ما يسمى «الحروب الاقتصادية» مع اعتبار أن العالم العربي لا يزال بكراً يحتفظ بالكثير من المعادن والثروات والفرص الاقتصادية.

وعن مشروع هذا التقسيم وحقيقته كتب المستشرق الصهيوني برنارد لويس، بل خطط ودعا إلى إعادة تفتيت بلاد المسلمين على أسس دينية وعرقية ومذهبية، وذلك بإضافة أكثر من ٣٠ كياناً سياسياً جديداً، حتى يقترب عالم الإسلام من ٩٠ كياناً، وذلك «لضمان أمن إسرائيل»[6] وللحيلولة دون نهضة المسلمين ووحدتهم.

والمشروع طُرح على الكونجرس الأمريكي قبل حوالي ٣٠ عاماً وتم إقراره، وبقي التنفيذ في الوقت المناسب، فرؤية برنارد لويس فيها إضعاف للفكرة الموحِّدة لأمة الإسلام أو إجهاض لها، بحسب زعمه، وهي تستند إلى تحويل عنصر التعددية ليكون سبب ضعف لا سبب قوة ومنعة كما هو الحال في الغرب، فالغرب دائماً ما يُصر على أن التعددية مصدر قوة، بينما في الحالة العربية يتم توظيف التعددية لتكون عامل تقويض وتفكيك وذلك خدمة للمشروع الأمريكي والصهيوني[7].

ولويس بهذا المشروع يؤكد – بحسب زعمه – أن مناخ التقسيم مهيأ، فليس هناك مجتمع مدني حقيقي يضمن تماسك الكيان السياسي للدول المعنية، ولا شعور حقيقي بالهوية الوطنية المشتركة أو ولاء للدولة (الأمة)، وفي هذه الحالة تتفكك الدولة[8]. ومن رجع الصدى أو خطوات التنفيذ لمشروع لويس أن مجلة وزارة الدفاع الأمريكية أعادت النشر في يونيو 2003م/ 1423هـ، وفيه تقسيم للخريطة العربية من جديد، ومن ذلك المملكة العربية السعودية إلى ثلاث دويلات أو خمس بطروحات متعددة[9]، ولا يزال يتكرر نشر المشروع الخاص بتقسيم السعودية وغيرها في الصحافة الأمريكية، ومن ذلك ما كشفت عنه الباحثة الأمريكية روبين رايت وما نشرته صحيفة نيويورك تايمز[10] عن تقسيم السعودية، وغير ذلك كثير.

وفي ختام هذه المؤشرات لهذه الرؤية فإن التدخلات الأجنبية والتحالفات الإقليمية والدولية المتتابعة ودعم المتطرفين مثل ما يسمى داعش بصور متعددة من الدعم كل ذلك يعد من إشعال الصراع والحروب، وهو ما قد يكون من مؤشرات قيام حرب عسكريةٍ عالميةٍ ثالثة، لكن مركزها سيكون أرض الإسلام، وخاصةً بلاد الشام وجزيرة العرب حيث الأراضي المقدسة وجدلية الأحقية فيها، وبالتالي فهي حربٌ مُرشَّحةٌ للامتداد إلى دول أوربا بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر، بل وإلى غيرها، ويؤكد على هذه الحرب المتوقعة مستشار الأمن القومي الأمريكي ووزير خارجيتها السابق هنري كيسينجر بقوله: «إن ما يجري في الشرق الأوسط والعالم كله، يعد تمهيداً للحرب العالمية الثالثة التي سيكون طرفاها روسيا والصين من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى»، فيما وصفها بأنها ستكون حرب شديدة القسوة، كما يضيف في مقابلةٍ أخرى: «إذا كنت لا تسمع طبول الحرب فإن في أذنيك صمم»[11].

النتائج واللوازم بين المعطيات والمؤشرات:

 يعد الصراع العسكري الدموي الكبير الذي يلوح في الأفق تسارعه واتساعه في بلاد الإسلام والمسلمين بحسب المؤشرات السابقة في هذه الرؤية مؤشراً لصراعات أوسع، حيث الظروف الراهنة في قلب العالم الإسلامي تتشابه إلى حدٍ كبير مع ظروف الحرب العالمية الأولى والثانية من حيث حجم النزاعات الدولية على النفوذ والهيمنة وتداخلها وتشابكها.

وما سبق توصيفه من مؤشرات تعد – بحسب سنن التاريخ ومعطيات السياسة – مقدمات كبيرة لصراعٍ أكبر سيكون له نتائج أخطر – والله أعلم -، حيث تتشكل التحالفات الإقليمية والدولية العدائية بتسارع خطير، وتتقاطع المصالح بين أهداف دول الأعداء الخاصة بكل دولة، والأهداف المشتركة فيما بين بعض هذه الدول.

وبرغم أن هذا الصراع ظاهر بأرض الشام، وربما تكون هذه الصراعات مقدمات ملاحم الشام الموعودة، والجهاد الموعود ضد اليهود في فلسطين، ووحدة الأمة من جديد، لاسيما أن هذه الأحداث – كما يبدو – بمؤشراتها تعكس مرحلة بداية واضحة على مستوى العالم الإسلامي بأجمعه في التمييز بين الصفوف على مستوى الشعوب، بل على مستوى الحكومات والدول، باختلافٍ في هذا التمييز، وتتجه الأحداث بحسب ظاهرها إلى أن يكون العالم الإسلامي فسطاطين: باطل واضح، وحق أو قريب منه.

وأخطر من هذا الواقع غياب الشعور بالخطر لدى الدول المستهدَفة بالعدوان، من حيث افتقاد هذه الدول للهدف الإستراتيجي والتخطيط المستقبلي، وبالتالي غياب المشروع مقابل مشاريع عملاقة معادية منفردة ومشتركة تستهدف السعودية وبعض دول الخليج وتركيا وبلاد الشام وفلسطين!

 لذا، فإن لهذه الرؤية بمعطياتها ومؤشراتها لوازم عملية، فقد تكون الحاجة المستقبلية ماسةٌ عند بعض الدول الإسلامية وخاصةً تركيا والسعودية وبعض دول الخليج إلى تحالف سني دائم وكبير بحكم فرض هذا الصراع على المسلمين، ومن لوازم هذا التحالف صناعة مشروع إستراتيجي إسلامي سني عملي منفرد لكل دولة، ومشترك بين دول التحالف، وبتحالفات سنية أوسع تكون من دول العالم الإسلامي وحركاته الإسلامية، مستفيداً هذا التحالف من بعض العلاقات الإقليمية والدولية لمواجهة هذا العدوان الغربي بوجهه الصهيوني والروسي والإيراني، وربما يكون مع أقطاب هذا التحالف مصر بعد تحررها من الحكم العسكري المتأزم، كما أن من لوازم هذا التحالف والمشروع أن تكون أجنحته الحركات الجهادية في الساحات الشامية والفلسطينية والعراقية.

ومن لوازم هذا الواقع توعية الشعوب بخطورة هذا الصراع العقدي، بل وتربيتها على العقيدة الصحيحة المقاوِمة لهذا التحالف الغادر بحق الإسلام والمسلمين، فالتحالف السني السياسي بدون العقيدة على مستوى الدول المستهدَفة بالمشروع الإيراني كالسلاح بلا ذخيرة، فنجاح هذا المشروع سيكون بقدر ارتباطه بالجانب الأيديولوجي العقدي كلحمة دينية لمواجهة المشروع الأيديولوجي من الخصوم، وبقدر التزامه بالمصداقية في ذلك تكون النتائج، فالمناورة بالمشروع السني أو جماعاته وأقلياته أو بعقيدة الأمة ودينها يعد من الفشل الباكر له، ويتطلب هذا المشروع السني تبني الدول الإسلامية المعنية للجماعات الإسلامية الصادقة واستيعابها في داخل هذه الدول ومن خارجها، وتعد هذه ورقة رابحة تحتاجها جميع هذه الدول وعلى رأسها السعودية، والأوراق الرابحة كثيرة وكبيرة لهذه الدول – إن هي صدقت مع الله ثم مع نفسها وشعوبها – في مواجهتها للمشروع الإيراني الصهيوني الصليبي لإحباط مخطط الصراع والحروب والدمار والتفتيت.

 ومن متطلبات هذا المشروع ما سوف تدعو الحاجة إليه من إعداد القوة بكل معانيها، ومنها تبني الجهاد ودعمه، وتجييش الأمة له، وقد يكون خيار الجهاد هو الخيار المنقذ ولا خيار غيره – كما سيأتي -، بل قد تكون الحاجة أو الاستعانة بكل أطياف الجهاد المعتدل منها وغير المعتدل نتيجة الأحداث الجِسام والنوازل العظام، فالصراع الإيراني على العالم السني الذي أطل برأسه بما لا يدع فرصةً للتأخر يستدعي مواجهة هذا المشروع بالمشروع، كما سبق.

 وفي حال تقصير الحكومات المعنية بإعداد مشروع التصدي للأطماع الأجنبية لاسيما مع تسارع الأحداث، فإن الشعوب بعلمائها ودعاتها ومفكريها ومثقفيها مسؤولة عن المبادرة بإعداد هذا المشروع والعمل به حمايةً للأمة الإسلامية ومقدساتها من الأخطار المحدقة بها من كل صوب، وهو مشروع قوامه تعزيز الدعوة الشرعية بكل الوسائل، وتقوية هوية الأمة بعقيدتها، مع أهمية التوعية السياسية بالأحداث، وتكوين اللجان والجمعيات الخيرية المتخصصة بالطوارئ والأزمات وبوسائل جديدة تتجاوز بها التحديات، وتنظيم كل ما يتعلق بالجهاد المشروع، فإيران لم تواجه خصومها بجيوشها فحسب في داخلها أو في العراق وسوريا ولبنان واليمن بقدر ما هو بتجييش الحشود الأهلية والشعبية وتعبئتها أيديولوجياً وعسكرياً، والمقام هنا هو عن أهمية المشروع من حيث فكرته ومسؤوليته، وليس عن تفاصيله وصياغته.

إن معظم معطيات الصراع ومؤشراته تكشف الأهداف العدائية تجاه الإسلام ذاته حينما أصبح رقماً مهماً في المعادلة الدولية، وحينما انكشف أعداء الإسلام والمسلمين بأنهم يهدفون للحيلولة دون نجاح مشروع نهضة المسلمين فإن هذا مما يستنهض همم المسلمين وغيرتهم، كما أن المآلات بحسب الأحداث التاريخية تؤكد أن الغزاة الأجانب لم ينتصروا على الحق عبر التاريخ لاسيما في أرض ليست لهم، وبحسب السنن الكونية والقوانين التاريخية فإن هذا الانتصار بانتشار الإسلام وامتداده في كل مكان سوف يتبعه انتصار كبير لأتباعه من المسلمين حينما يكون الصدق مع الله ودينه، لاسيما أن المكر الكُبار لأعداء الإسلام اتضح بأنه مع الإسلام ذاته، {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْـمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]، {اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْـمَكْرُ السَّيِّئُ إلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43].

ولا شك أن العالم الإسلامي أصبح يعيش مرحلة توصف بتكالب الغرب والشرق عليه وبحروب عسكرية وفكرية (أيديولوجية) غير مسبوقة، يصدق فيها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن تكالب الأمم: «يُوشِكُ الأممُ أن تداعَى عليكم كما تداعَى الأكَلةُ إلى قصعتِها. فقال قائلٌ: ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءُ السَّيلِ، ولينزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهْنَ. فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ! وما الوهْنُ؟ قال: حُبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموتِ»[12]، وإضافةً إلى هذا التكالب في صناعة الصراع فقد وجد الغرب بغيته وتناغم معه الشرق في دعم دور الوكيل الإيراني، وهو ما يُحقق الأجندات المعلنة والخفية في تحقيق كثيرٍ من الأهداف الغربية أو كلها، وكل ذلك مما يُذكي حالات الصراع القائمة في الشام والعراق بشكلٍ خاص، وصناعة الحروب العالمية الشاملة بأوسع من ذلك، والتي أصبحت كأنها حقيقة مستقبلية ثابتة.

 

المصدر: مجلة البيان، العدد 347، بتاريخ 3 رجب 1437هـ الموافق (10 أبريل 2016م)، الرابط التالي: http://www.albayan.co.uk/MGZarticle2.aspx?ID=5018

_____________________________

الهوامش:

[1] انظر: جريدة الشرق الأوسط، العدد 12168، بتاريخ 28 ربيـع الثاني 1433هـ (22 مارس 2012م):  http://goo.gl/D9nDsq.

[2] انظر: جريدة السفير، بتاريخ 10 أكتوبر 2015م: http://assafir.com/Article/449709

[3] انظر: أحمد موفق زيدان، مقال بعنوان: «الشام التي وحدت الغرب والشرق عليها»، صحيفة العرب، الرابط التالي: http://t.co/Clj9Jxi22d

[4] انظر: عن المنافسة الصينية في البنك الآسيوي الجديد، الروابط التالية:

http://www.alarab.co.uk/m/?id=48715

http://goo.gl/54dBE1

http://goo.gl/8Tqad8

[5] انظر: موقع ترك برس، بتاريخ 16 سبتمبر 2015م، على الرابط التالي:

http://www.turkpress.co/node/12643

[6] انظر: وليد بن عبد الله الهويريني، عصر الإسلاميين الجدد، الأحساء، 1434ﻫ، ص30، نقلاً عن: محمد عمارة، خطط التفتيت لعالم الإسلام.

[7] انظر: المرجع السابق، ص29، نقلاً عن: صحيفة الاقتصادية بتاريخ 6/4/1432ﻫ.

[8] يلاحظ أن العملاء من الليبراليين والعلمانيين مهدوا وقاموا بصناعة الأرضية الخصبة للتقسيم تحت مسمى التعددية الفكرية في الوطن السعودي مثلاً وأنها حقيقة، متجاهلين أن الأقليات ليست تعددية فكرية، ولا تتطلب تغيير مفهوم الوحدة الوطنية والمواطنة القائمة على الوحدة الفكرية.

[9] انظر: وليد بن عبد الله الهويريني، عصر الإسلاميين الجدد، ص27-28.

[10] انظر: مقال نيويورك تايمز على الرابط التالي: http://cutt.us/TuSz

[11] انظر: موقع المناطق، بتاريخ 8 أكتوبر 2015م، على الرابط التالي:

http://almnatiq.net/136347/?mobile=1 ، نقلاً عن: صحيفة ديلي سكيب اليومية المحلية في نيويورك، وانظر: صحيفة ديلي سكيب، بتاريخ: 27/11/2011م، الرابط التالي:

http://goo.gl/OQR63F

[12] رواه أبو داود في سننه، باب تداعى الأمم على الإسلام، حديث رقم (4297).

لا توجد تعليقات

بريدك الالكتروني لن يتم نشره


الاشتراك في

القائمة البريدية

اكتب بريدك الالكتروني واضغط اشتراك ليصلك كل جديد المركز

تصميم وتطوير SM4IT