Skip to main content

هل انتهت اللعبة (العالمية الإيرانية) وانتهى تصدير الثورة؟

هل انتهت اللعبة (العالمية الإيرانية) وانتهى تصدير الثورة؟

(قراءة في كتاب الإسلام والغرب – رؤية مستقبلية)

(قراءة كمبيوتر pdf)

 (قراءة تلفونية pdf)  

في ظل تقاطع أو تعارض المصالح الإيرانية الغربية واللعب مع الكبار، وفي ظل التنافس المحموم بين مشروع الكيان الإسرائيلي والمشروع الإيراني في المنطقة، سوف يتحدد مصير النظام الإيراني بعد الضربات المتبادلة بين إسرائيل وأمريكا من جهة، وإيران من جهة أخرى عام 2026م، سواءً ببقاء النظام أو زواله، أو استبداله بآخر (سواء كانوا إصلاحيين أو رضا بهلوي أو فوضى داخلية)، كما أن هذا المصير يتوقف على مدى الحاجة إلى توظيف إيران أو بعض أذرعها في محاولات ابتزاز دول المنطقة مرة أخرى، فبقاء النظام أو زواله أو استبداله مرهون بمدى استجابة الحكم الإيراني الحالي لمطالب الغرب بالتخلي عن برنامجه النووي العسكري أو توقفه مؤقتاً، إضافةً إلى أهمية إضعاف العلاقة الاقتصادية الإيرانية مع الصين، وهذه العوامل السابقة تقريباً هي ما سوف يُحدد مصير النظام الإيراني.  

أفول الدور الإيراني

وتشير التصريحات والتحليلات إلى أفول الدور الإيراني الوظيفي وقُرب انتهائه، خاصةً بعد الضربات الموجعة لإيران في 28 فبراير 2026م، وقد صرَّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحوثيين -كأنموذج- عند ضربهم عسكرياً عام 2025م قائلاً: «لقد انتهى وقتكم!»([1])،

في كتابٍ صدر بعنوان (الإسلام والغرب بين المنافسة والصراع – رؤية مستقبلية للواقع العربي والإسلامي وعلاقته بالآخر) عام 1438هـ/2017م ذَكَرَ المؤلف فيه جانباً من الرؤية المستقبلية لإيران وعلاقتها المتماهية مع الغرب، وأن هذه العلاقة قد تنتهي يوماً ما؛ حيث الغرب المتماهي أو المتخادم -سابقاً- مع الاستراتيجيات الإيرانية العدائية تجاه الإسلام وأهله من أهل السُّنة تحديداً، جعل من مشروع إيران التوسعي السابق منتهي الصلاحية؛ لتكون إيران كبش فداءٍ لمشروعها في تصدير الثورة!

وفي الكتاب وردت تفاصيل كثيرة حول هذا، ومنها: «وفي سياق التحديات المستقبلية لإيران، يضاف إلى ما سبق، حجم الشكوك حول أهداف الغرب بإطلاق اليد الإيرانية في المنطقة بوضعٍ غير مقيدٍ بزمنٍ أو قيودٍ أخرى، مما يظهر معه أن الغرب يُريد بهذه اليد الإيرانية تحقيق الفوضى الأمنية والسياسية، وأجندة التفتيت والإضعاف لدول المنطقة، وبيع السلاح لكل الأطراف، ولهذا فليس هناك ما يمنع من تخلي الغرب -وأمريكا بصورة خاصة- عن إيران في أي وقت لتصارع بين النصر والهزيمة وتبقى في مربع الفوضى والاستنزاف كغيرها، وليبتز الغرب خصومها في الوقت ذاته»([2]).

ومن أبرز ما ورد في الكتاب سالف الذكر قبل حوالي عقد من الزمن، وذلك حول الرؤية المستقبلية لإيران، هو ما ورد في الكتاب: «وفي المقابل، فالتحديات كثيرةٌ على إيران، حيث الرهان الإيراني الرسمي على عموم الشعب الإيراني وشيعة المنطقة من العرب قد يخسر إلى حدٍ معين، ولاسيما مشاكل إيران الداخلية الاقتصادية، وتحديات التنوع العرقي والديني مثل قضية الأهواز والأكراد، والتحديات السياسية مثل معارضة مجاهدي خلق، وهو مما يُعدُّ من التحديات التي يُمكن أن تواجه المشروع الإيراني وتُمثل نقاط ضعفٍ فيه، ومن ذلك حينما يُدرك شيعة العرب أو عُقلاؤهم أنهم يُقادُون لمعركةٍ من أخطر المعارك في حياتهم؛ ليكونوا وقوداً لها مع العالم الإسلامي، فالاستجابة لهذه المعارك والصراعات الكبيرة بالوكالة عن الغرب ستكون مختلفةً عن لغة المظلومية([3]) التي يستخدمها ملالي إيران ومتعصبوها السياسيون، بل ستنكشف الحقيقة لمن غابت عنهم داخل إيران وخارجها من شيعة المنطقة ممن يُعدُّون من مُعتدليهم، وهذا قد يُعدُّ من التحديات المستقبلية أمام السياسات الإيرانية التوسعية!»([4]).      

اللعب مع الكبار

ويُضيف الكتاب السابق ذكره، برؤيته المستقبلية عن الواقع الإيراني وإساءات إيران الشيعية الدموية لبعض دول العالم العربي والإسلامي، إضافةً إلى ما يجب على إيران أن تفهمه من الأحداث واللعب مع الكبار، وكان الكتاب قد طُبع في أوجِّ الانتصارات الإيرانية باكتساح العراق وسوريا ولبنان واليمن، ومع ذلك ورد في الكتاب ما يؤكد المصير بالانكسار لإيران: «فالانتصار الإيراني لن يتحقق عاجلاً كما تحلم إيران؛ لأنه يُراد بإيران ولها في معظم حروبها في المنطقة استنزافها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، كما هو الحال في اليمن وسوريا»([5]).   

يرى بعض المحللين أن المشروع الإيراني يمر بمرحلة حرجة بعد عام 2026م، مما يستوجب وقفة مراجعة إيرانية ذاتية، خاصة في ظل تقلبات أحوال الانتصار والانكسار. وقد تجلى ذلك بوضوح إثر احتدام التنافس بين المشروعين الصهيوني والإيراني على النفوذ والمصالح، وهو ما أدى إلى صدام مباشر. هذا الواقع يفرض على عقلاء إيران ومثقفيها ونخبها ضرورة إعادة النظر في استراتيجيات دولتهم العدوانية، خاصةً مع تزايد (المخاطر المستقبلية) التي تهدد إيران نفسها، نتيجة انتهاء تقاطع الأهداف الإيرانية مع مصالح المشاريع الغربية، واستغلال الغرب للتوتر القائم بين إيران وجيرانها لتحقيق مصالحه الخاصة، فضلاً عن أهمية الإفاقة لدى المسلمين المخدوعين.

إن هذه المتغيرات هي ما تدعو إيران إلى مراجعة حقيقة عقيدتها التكفيرية، وتعصبها المتمثل بدستورها الاثني عشري، واستراتيجيتها (الخمسينية) العدوانية على المسلمين أهل السنة وعلاقتها بهم! وأن تعلم إيران بأن الغرب وإن كان متماهياً معها –كما هو الواقع السابق، وكما أكدت على ذلك الكُتب والتقارير السياسية الأجنبية التي كتبت عن العلاقات الإيرانية الغربية بصورة عامة- إلا أن الغرب في أحيانٍ كثيرة استخدم إيران دولة وظيفية في تمزيق المنطقة بدولها وشعوبها المسلمة، ثم عمل هذا الغرب بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الإجهاز على القوة الإيرانية كما حدث في 13 يونيو عام 2025م وفي 28 فبراير 2026م من ضرب الكيان الإسرائيلي للقوة الإيرانية العسكرية والمواقع النووية وقتل قياداتها السياسية والعسكرية، لتبقى إيران ضعيفةً بأذرعها أمام منافسة الكيان الإسرائيلي على القوة ومصالح المنطقة، ولتبقى إيران ربما عصاً وشرطياً في المنطقة لكن بالحدود المرسومة لها.

توقعات برؤية مستقبلية

وعن هذه التوقعات الواردة في الكتاب برؤيته المستقبلية، ورد فيه ما يتوافق مع الأحداث والواقع: «ربما من غير الغائب، أن يكون لدى الغرب المتعصب استهداف القوة الإيرانية، باستنزافها كهدفٍ آخر مهم لتدمير القوى المنافسة مهما كانت نوع المنافسة…، بأن تُنفِّذ (قُمْ) الأجندات الغربية في صناعة الفوضى في المنطقة وحرب ما يُسمى الإرهاب، ثم تكون التضحية بها، فإيران بهذا التحالف مع الغرب المتعصب، لن تخرج من كونها من محاور الشر، وإن تقاطعت المصالح العالمية معها بعض الزمن؛ لأنها [إيران] تُعدُ من القوى المنافسة في الأطماع التوسعية والاقتصادية في المنطقة، مما سوف يتعارض مع مصالح الغرب في العاجل أو الآجل، وفي إطلاق يدها استنزافٌ لها، وإحراقٌ لقوتها على المدى الطويل، بل قد تكون هي الجائزة الأخرى للغرب في تفتيت [تمزيق] وحدتها السياسية وقوتها الإقليمية فيما بعد تنفيذها لأجندات الأعداء الدوليين»([6])، وقد حدث هذا بالفعل وعلى أرض الواقع!     

ولعل الواقع السياسي للأحداث من قِبَل الغرب تجاه إيران عامي 2024-2025م وعام 2026م كذلك يشير بصورة واضحة إلى انتهاء الدور الإيراني التخريبي لدول الإسلام المجاورة للكيان الإسرائيلي بصورةٍ خاصة.

التماهي بين الغرب وإيران

والخلاصة أن التماهي والتخادم السابق بين الغرب وإيران لم يكن ليستمر؛ حيث لا صداقات دائمة أو عداوات دائمة، وعن هذا ورد في الكتاب سالف الذكر: «وفي المقابل كذلك، فإن إيران بالرغم من تنفيذ كثيرٍ من جوانب خطتها وتصدير ثورتها، فهي وإن نجحت مع السياسات الغربية في احتلال أفغانستان والعراق -إلى حدٍّ معين؛ حيث إقصاء خصومها طالبان وصدام حسين- إلا أن الغرب يُعاني فشلاً ذريعاً في استقرار النظام السياسي في كلتا الدولتين»([7]). وهو ما يجعل الخيار السُّني لدى الغرب في هذه المرحلة أولى من النظام الإيراني الشيعي، رغم أن مخاطر استفراد الكيان الإسرائيلي بالمنطقة ومصالحها، سوف يصنع كثيراً من الاستفزاز للمسلمين.

إن مما غاب عن نظام إيران وقادتها وساستها ومفكريها، أن يفهموا حقيقة العلاقات الدولية، التي أشار إليها بوضوح رئيس وزراء المملكة المتحدة سابقاً، اللورد بالمرستون Lord Palmerston في خطابٍ له عام 1848م: «ليس لدينا حلفاء أبديون، ولا أعداء دائمون، مصالحنا أبدية ودائمة، وهذه المصالح من واجبنا اتباعها»([8]). وهو ما يفرض على جميع الدول أن تتعاطى مع التحالفات الغربية بلغة المصالح المتغيرة. وأقوى التحالفات هي ما يقوم على التلاقي أو التحالف الأيديولوجي مع المصالح، كما هو واقع التحالف الأمريكي الإسرائيلي، ولهذا أدركت كثير من الدول هشاشة التحالفات القائمة على المصالح فقط بعد أحداث إسرائيل وأمريكا مع إيران عام 2025-2026م كأنموذج للتحالف الهش أو المؤقت بين بعض الدول، ولهذا عملت كل من السعودية وباكستان وتركيا بتحالفات عسكرية تقوم على التلاقي الأيديولوجي إضافةً إلى تلاقي المصالح بين هذه الدول بعد هذه الأحداث.    

وفي الختام، إن من الواجب والأهمية بمكان أن يكون النظر في الدروس والعبر، والتأمل في السُّنن الكونية، فالظلم لا يدوم، وتجاهل حقوق الأمم والشعوب بثقافاتها وأديانها وعقائدها لا يمكن أن يستمر؛ حيث الباطل بصوره المتعددة مهما علا وانتصر لا يمكن له أن يتمكن، كما أن الباطل لابد له أن ينكسر طال الزمن أم قصر. فهل تعي إيران هذه الحقيقة بعد هذا الواقع، وتُعيد النظر في علاقاتها المأزومة مع دول الجوار؟ ثم هل يعني تنافس المشاريع بين الكيان الإسرائيلي والمشروع الإيراني الصفوي، بقاء واستمرارية المشروع الشيعي الإيراني (تصدير الثورة) في العالم الإسلامي أو ضعفه؟ هذا ما ستكشفه الأيام ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:21].    

د. محمد بن عبدالله السلومي
باحث في التاريخ ودراسات العمل الخيري والقطاع الثالث
[email protected] 

المصدر: مجلة الدبلوماسي (ص26).

_ _ _ _ _ _ _ _  _ _

([1]) سي ان ان، بعنوان: (ضربات على صنعاء..)، بتاريخ 15 مارس 2025م، الرابط التالي: https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2025/03/15/trump-decisive-military-action-against-houthis-yemen.

([2] ) الإسلام والغرب بين المنافسة والصراع، ص308.

([3]) المظلومية: هي ركيزةٌ من الركائز الأساسية التي يقوم عليها دين الشيعة الإثنا عشرية! وهو وقوع الظلم والإيذاء النفسي والجسدي والاجتماعي من أشرار الناس على أفاضل الناس.. بدءاً من وقوع الظلم (المزعوم) على آل بيت النبوة من أعدائهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم جميعاً -ـكما يزعمون-، ومروراً بوقوع الظلم تاريخياً على الشيعة منذ مئات السنين… موقع إيلاف، بتاريخ 20 مارس 2013م، الرابط التالي: https://tinyurl.com/ymuz86vf.

([4]) الإسلام والغرب بين المنافسة والصراع، ص305.

([5]) المرجع السابق، ص307-308.

([6]) المرجع السابق، ص308-309.

([7]) المرجع السابق، ص307.

([8]) هانسارد البرلمان البريطاني UK Parliament Hansard، معاهدة أدريانوبول Treaty Of Adrianople، بتاريخ 1 مارس 1848م، المجلد 9، العمود 122، الرابط التالي: https://tinyurl.com/bdkwhdjm.

لا توجد تعليقات

بريدك الالكتروني لن يتم نشره


الاشتراك في

القائمة البريدية

اكتب بريدك الالكتروني واضغط اشتراك ليصلك كل جديد المركز

تصميم وتطوير SM4IT