Skip to main content

دبلوماسية استعمار الديمقراطية وحقوق الإنسان! «مراجعة في كتاب المفكِّر هشام ناظر»

(تصفح  المقال PDF)

في مقالاتي السابقة عن كتاب (القوة من النوع الثالث – محاولة الغرب استعمار القرية العالمية) لمؤلفه هشام ناظر (1932-2015م) -رحمه الله-، وَرَدَ وتكرر القول بأن الكتاب يستحق أكثر من قراءة، وها هي قراءة أخرى معنية بالنشر المتخصص بالسياسات الغربية الحديثة ودبلوماسيتها. وهي رؤية للمفكر والوزير والسفير والمستشار في العلوم السياسية مما سبق التعريف به وبكتابه المثير للانتباه، الذي هو الوجه الفكري لناظر. وقد وجد الكتاب أصداء وتقريظات واسعة الأطياف، أجنبية وسعودية عن كتابه المهم في عالم العلاقات والسياسة الدولية.

والكتاب كما سبق يكشف عن الاستراتيجيات المستقبلية للغرب برؤية سياسية تشخيصية أحياناً، ونقدية أحياناً أخرى لأدوات الاستعمار (الاحتلال) الحديثة، التي سمَّاها المؤلف (القوة من النوع الثالث)، والقراءة أو المراجعة في هذا الكتاب، هي عن بعض الأدوات الاستعمارية الحديثة فقط، وتنحصر هنا في (الديمقراطية) و(حقوق الإنسان)، وهي قراءة لا تعني المدح للديمقراطية أو القدح والذم لها، وليس الموضوع كذلك عن إيجابياتها لدى الغرب، أو أزماتها وعيوبها عند صانعيها وغيرهم، كما أن هذه القراءة ليست حول حقوق الإنسان مدحاً أو قدحاً، فهذه لها مجالات أخرى.

إنها قراءة معنية برؤية المفكر هشام ناظر حول ما يُعدُّ من أدوات استعمار الغرب واحتلاله للعالم النامي والثالث، وقد حدَّد أن هذا الاحتلال سيكون أكثر في النصف الأول من الألفية الثالثة كما قال، وكما هو واقع السياسات العالمية، وعن هذا كتب مُفرقاً بين أدوات الغرب السابقة مثل (الحداثة) و(التنمية)، ووسائل الغرب الاستعمارية اللاحقة وأدواته، ومما قال: «فإبَّان الحرب الباردة كانت الحداثة ومراحل النمو هما شرع الغرب للتنمية.. إلا أن الحماس الذي روَّج الغرب به لهذا الشعار يتهاوى عندما نقارنه بالاستعمار السياسي الحالي في شعارات ومفاهيم ك(الديمقراطية)، و(ديمقراطية السوق)، و(حقوق الإنسان)» (القوة من النوع الثالث: ص25).

وتأتي أهمية فهم مصطلحات الغرب وأدوات الاستعمار الحديث للمثقف والسياسي للتعاطي السليم معها، فعالم اليوم يعيش مرحلة حرجة من التدخلات؛ حيث تقديم مصالح الأقوياء، واستخدام أدوات القوة بغموض المصطلح والمفهوم حسب تعبير ناظر في مواضع متعددة من كتابه ومن ذلك قوله: «التوجه الحالي نحو الترويج للديمقراطية، والدفاع عن حقوق الإنسان، والبيئة مثار شك لسببين: أولهما: الافتقار لإجماع دولي على متى وكيف وبواسطة من يمكن أن يتم هذا التدخل؟ وثانيهما: أن المنظمات التي سيُسمح لها بالتدخل باسم الإجماع الدولي واقعة تحت سيطرة دول غربية محدودة ذات مصالح معروفة» (ص30).

وهشام ناظر المفكر يرى أن الغرب يحتكر تفسير الديمقراطية وحقوق الإنسان ومفاهيمها وفق الثقافة الغربية (المرجعية) دون سواها، بل وصناعة عقائد ونظم من هذه المصطلحات من طرف واحد، ويتم من خلالها إقناع الشعوب الغربية بمشروعية التدخل في شؤون العالم النامي بهذه الأدوات! وذلك بقوله عن المصطلحات: «وهي تشبه الحملات العقائدية التي استخدمت في السابق لإقناع الشعوب الغربية بتأييد التدخل في شؤون الدول الأخرى. ولكن الفرق هنا هو استخدام القوة من النوع الثالث لتأسيس مرجعية لمفاهيم (الديمقراطية) و(حقوق الإنسان) و(الأسواق الحرة)، ولرفعها إلى مستوى خارق للعادة» (ص90).

والديمقراطية مثلاً حسب سياقات ناظر صنمية مُقدَّسة، وسوط سياسي على دول العالم الثالث، وعن هذا قال: «المشكلة هي أن رموز الديمقراطية ومصطلحاتها الرديفة لا تُسوَّق كحقائق، وإنما كصنميات ومفاهيم بعد أن فارقت الديمقراطية معناها اللغوي كأسلوب في صناعة القرار… تحول المصطلح السياسي إلى عملية مقدسة» (ص91).

ويؤكد ناظر أن الديمقراطية بمفهومها الغربي كذلك تُصنع بعيداً عن الثقافات المحلية، بل تُعدُّ صنماً خارج المرجعيات المحلية، وتُفرَض إيحاءاتها الإيجابية إعلامياً وسياسياً دون اكتشاف مضمونها الثقافي، حيث يقول: «إذْ الديمقراطية أصبحت صنماً خارج المرجعية والمعاني المحلية، وهي كبقية الرموز تصبح مدخلاً للمفاهيم الضمنية دون أن يحس أحد أنها قد لا تتناسب مع الثقافة المحلية. وهذه المفاهيم الضمنية يتم تلقينها لمواطني الدولة النامية من خلال نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية» (ص125).

ويُّنبِّه ناظر مثقفي العالم النامي ورجال السياسة فيها إلى مخاطر مصطلح (ديمقراطية السوق) للسيطرة على الأسواق العالمية والتحكم بها حينما يقول: «ولا يرسل الغموض المقصود لمصطلح (ديمقراطية السوق) رسالة صريحة عن الأولويات الغربية فحسب، ولكنه في نفس الوقت يثبت الحاجة لتحكيم الغرب لها وتصديقه عليها. وفي هذا الموقع يستطيع الغرب أن يلعب دور الشرطي الصالح والفاسد في نفس الوقت» (ص128).

وناظر بهذا القول وما يُماثله يوضح نتائج عدم الأخذ بالديمقراطية ويُبيِّن المخاطر لدرجة فقدان حقها في السيادة! وذلك بقوله: «الدول الأضعف التي تعيش بدون ديمقراطية (مرخَّصة) يمكن أن تفقد حقها في فرضية السيادة» (ص120).

  • هراوة حقوق الإنسان:

عن الشق الثاني من وسائل القوة من النوع الثالث كتب المفكر ناظر عن (حقوق الإنسان) وكيف أنها سوف تصبح مطرقة على دول العالم النامي والثالث في انتهاك السيادة المحلية للدول مُحدِّداً هذا بالتواريخ، وذلك بقوله: «فعلى مدى النصف الأول من القرن الواحد والعشرين على الأقل، سوف يصبح وضع السيادة الوطنية على الرف، من أجل الحاجة المفترضة للدفاع عن حقوق الإنسان هو المحرك الرئيس لصراع الدول النامية مع الدول المتقدمة» (ص119).

وفوق هذا فناظر يصف الغرب بأنه لن يرضى عن العالم النامي بثقافاته المحلية وسيادته الذاتية، حتى تكون متطلبات الغرب جزءاً يتلازم مع كيان الإنسان في العالم النامي، وذلك بقوله: «لابد من أن تكون الحملة قادرة على جعل المفهوم الديمقراطي الليبرالي جزءاً فطرياً في الكيان الإنساني. ولابد من القبول إلى حد ما، بأن الأعمال التي تقوم بها الدول الغربية لحماية الحقوق التي تبنتها الليبرالية الغربية محايدة وضرورية» (ص121).

ويُكرر ناظر مفهوم السيادة للدول واختراقها من خلال استغلال واقع حقوق الإنسان في العالم النامي، ومحاولة إحلال المفهوم الغربي للحقوق، وأنها قيم كونية، وذلك بقوله: «والأكثر غرابة هي أن أكثر حَمَلَةِ راية حقوق الإنسان والفرد يعملون على سياسة تستهدف جعل السيادة سهلة الاختراق، بحجة أن العالم يحتاج إلى الغرب للقيام بدور سلطات القيم الكونية» (ص144).

وناظر يكرر كلمات السيطرة الدولية من خلال استخدام القوة من النوع الثالث؛ حيث احتكار الغرب للمصطلح وتفسيره، قائلاً حول مصطلح (حقوق الإنسان): «ولنأخذ مفهوم حقوق الإنسان على سبيل المثال.. فإذا كان باستطاعة دولة أو دول معينة [غربية] أن تحتكر تفسير هذا المفهوم للآخرين حسب بعدها الثقافي وبنيتها السياسية، سيصبح من السهل عليها أن تجد الغطاء القانوني لأهدافها والتفسير المقبول لأعمالها» (ص29).

وناظر يُردف قائلاً عن العقوبات المنتظرة للمخالفين في رؤية الحقوق، وذلك بقوله: «فعندما يصبح عزل دولة من الدول لمخالفتها تعريف حقوق الإنسان مشروعًا، فإن معايير الغضب والعقوبة ستسقط بسهولة على من هو خارج نطاق الدول التي وضعت وفسَّرت هذا التعريف» (ص29).

ويُنبِّه المفكر ناظر بأقوال كثيرة وردت في كتابه عن ارتباط الديمقراطية وحقوق الإنسان بأنها وسائل مكشوفة للسيطرة على القرية الكونية، ومن ذلك قوله: «وتتطلب الديمقراطية وحقوق الإنسان من دعاتها صلات أمينة مع مبادئ يُفترض حيادها والتصاقها بتكوين الإنسان، لا أنها وسائل مكشوفة للسيطرة… في الغرب الذي نصب من نفسه حامياً لها وقاضياً عليها» (ص158).

وناظر المفكر يؤكد أن الديمقراطية الغربية هي الحياة وما عداها موت حسب تسويقها أو فرض الغرب لها! بل لابد أن تكون ديمقراطية مُستوردة وسلعة صنمية لابد من كسبها -ليست محلية الصنع!- ويرتبط بهذا الاستيراد المُعلَّب للديمقراطية بأيديولوجيتها الغربية أهمية الحصول على حقوق الإنسان كمنتج غربي كذلك، فهما متلازمان لدى الغرب للتصدير! وذلك بقوله: «بدون الديمقراطية اُعتُبِر أن هذه الشعوب تعيش في ظروف غير إنسانية. وبنفس الطريقة يتم تحويل حقوق الإنسان من وسيلة إلى غاية في حد ذاتها… وعند هذه النقطة تصبح حقوق الإنسان سلعة صنمية لابد من كسبها» (ص139).

وهذه الاقتباسات عن الموضوعين، وما ورد في عموم الكتاب، وإن أصبحت معروفة لدى كبار المثقفين فضلاً عن رجال الفكر والسياسية، إلا أن الكتابة بلغة العلم والمعرفة السياسية عن هذه القِيَم الغربية الاستعمارية على هذا النحو من التوضيح والتوثيق، والتوعية عن هذه القضايا بقراءات علمية أصبح في غاية الأهمية؛ حيث حرب المصطلحات والاحتلال بها من سمات المرحلة، ولا سيما في العلاقات الدولية فيما بين دول القوة ودول العالم النامي في مستهل الألفية الثالثة، وهو ما يتطلب معرفة أكثر عن القوة من النوع الثالث ومصطلحاتها.

وحول هذا الكتاب (القوة من النوع الثالث) ورسالته للمثقفين وأساتذة السياسة في العالم النامي قالت عميدة كلية العلاقات الدولية في جامعة كولومبيا ليزا أندرسون Lisa Anderson: «لقد كُتب هذا الكتاب ليُحرِّك أقران هشام ناظر من المثقفين في العالم النامي، أن يعتمدوا التفكير المستنير في التحديات التي تواجههم اليوم، وبالتالي فهو كتاب يستحق انتباه الكثيرين من القراء الفاحصين في العالم الغربي وما حوله» (ص9).

وعن الإشادة بما حواه الكتاب حول العلاقات السياسية والدبلوماسية بين الدول كَتَبَ عنه نائب رئيس مجلس الأمناء لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) ديفيد منكر أبشير David M. Abshire: «حقاً إنه رحلة ثقافية في عالم القوة .. فالاتساع الذي حظي به الكتاب في اهتماماته، والذي لم يقتصر الدليل عليه في سعة الاطلاع الذي ظهر في مراجع الكتاب لهو مدهش حقاً. فتلخيص ناظر الدقيق، واتساع علمه يقدم لنا مؤونة ثقافية جديرة بالفحص في العلاقات بين الدول» (ص9).

ولهذه المكانة العلمية للكتاب أكرر القول بأن الكتاب بحاجة ماسة إلى أن يكون من كتب الثقافة السياسية، أو المناهج الدبلوماسية حول العلاقات الدولية، كما أنه كتاب يتطلب خدمة أكثر في دقة الترجمة وبلغات أخرى، إضافةً إلى أنه يحتاج إلى قراءات متعددة فيما يخدم الأجيال، خاصةً من المعنيين بالعلاقات الدولية والدبلوماسية لرفع سقف الوعي المعرفي عن مرحلة الاحتلال بالقوة من النوع الثالث ومصطلحاتها.

وفي الختام أقول معلقاً ومتسائلاً حول ما يتناغم مع سياقات المقال واقتباساته، وهو تساؤل عن الديمقراطية والحقوق، وما يرتبط بها من انتهاك للحريات الدينية على سبيل المثال كما هو واقع بعض الدول الأوروبية! وهل هناك نتائج جديدة أخرى عن تحديات تطبيقات الديمقراطية الغربية؟ لا سيما وقد بدأت تظهر تصدعات سياسية للحريات والديمقراطيات في بعض الساحات العالمية؟ وهل اقتحام مبنى الكونجرس الأمريكي بعد خسارة ترامب للانتخابات عام 2021م يُعُّد من مقوضات الديمقراطية وحقوق الإنسان؟! ثم هل ما يجري في الولايات المتحدة الأمريكية من تجذير الانقسام السياسي الكبير بين الحزب الجمهوري والديمقراطي لدرجة تنذر بالاقتتال الداخلي يُعدُّ من ثمرات الديمقراطية أو من احتضارها؟ ((ولله في خلقه شؤون)). 

 

د. محمد بن عبدالله السلومي 

باحث في الدراسات التاريخية ودراسات العمل الخيري والقطاع الثالث

[email protected]

 

المصدر: مجلة الدراسات الدولية – معهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الدبلوماسية، العدد (34)، محرم 1445هـ/ 2023م

لا توجد تعليقات

بريدك الالكتروني لن يتم نشره


الاشتراك في

القائمة البريدية

اكتب بريدك الالكتروني واضغط اشتراك ليصلك كل جديد المركز

تصميم وتطوير SM4IT