Skip to main content

25_رسالة عن عمل المرأة وبطالتها.. أمي مدرستي (1).

إن الكتابة والتدوين عن أهمية دور المرأة المسلمة في مجتمعها لا يحتاج إلى كبير عناء لإثباته، أو أصوات عالية تزايد عليه، ومن أجل تطبيقات هذه الأهمية أَفْرَدَ كثير من مؤرخي وعلماء الاسلام تراجم عن النساء، ومن أبرز هؤلاء ابن الأثير في كتابه (أُسْدُ الغابة في معرفة الصحابة) في القرن السابع الهجري، والذهبي في (سير أعلام النبلاء) في القرن الثامن الهجري، وابن حجر العسقلاني في (الاصابة في تمييز الصحابة) في القرن التاسع الهجري، وغيرهم كثير، ولأهمية هذا الدور كان لي بحمد الله شرف تحرير معظم كلمات هذه الرسالة عن والدتي، فلله الحمد أولاً وأخيراً، فهو الذي أعانني على ذلك وأكرمني به.

لقد كانت الجهود المتواضعة في إعداد هذه (الرسالة) بوابة علمية مرتبطة بشخصية واقعية، وفيها: بعض المعالجة العلمية عن عمل المرأة وبطالتها !!، كما أنها مراجعة لكاتبها ولأي إنسان تجاه والديه أحياءً وأمواتاً، ولعل هذا التدوين يدخل في ذكر بعض المحاسن لوالدتي الراحلة عن هذه الدنيا (نورة بنت عبدالله بن صالح العضيب الشارخ) – رحمها الله وأسكنها فسيح جناته -، وبالتالي مدعاة للترحم عليها، والاقتداء بمحاسن أخلاقها وأعمالها، والاستفادة من تجاربها، لاسيما أنها امرأة مخضرمة عاشت ظـروف الحيـاة (عُسـرها ويُسـرها) بمـرحلتيها (الحيـاة الإنتـاجية للأسـرة، وبعـدها نمــط الحياة الاستهلاكية)، وكان منها التعامل الإيجابي في كلتا الحالتين، وبالتالي فإن تاريخ المجتمعات والرجال والنساء ممن عاشوا تلك الفترة التاريخية يُعدون مصدر ثراء وإثراء في ميادين التجربة والدرس والعبرة، كيف وحينما يكون التدوين عن الوالدين أو أحدهما يحقق هذا وغيره!!.

************

كتب ابنها ناصر بن عبدالله السلومي عن الهدف من مثل هذه الكتابات في ورقة عن ذكرياته مع أمَّه فقال: “فالهدف ليس ذات الكتابة عن والدتي العزيزة، فمهما كتبتُ وتحدثتُ عنها فلن أوفيها حقها، ولن أعبِّر عن شيءٍ قليل من حنانها الذي تمنحه جميع أولادها، حتى كان إحساس كل فرد كأنه وحيدها”.

فمن أهداف هذه الكتابة لفت انتباه القارئ إلى أهمية ترجمة العلم إلى عمل، وتحويل المعرفة إلى سلوك، وقد لفتت انتباهي كلمات جميلة للشيخ محمد قطب قال فيها: “من السهل تأليف كتاب في التربية، ومن السهل تَخَيُّل منهج، ولكن هذا المنهج يظل حبراً على ورق، مالم يتحول إلى حقيقةٍ وواقعٍ يتحرك في واقع الأرض، ومالم يتحول إلى بشر يُترجِمُ بسلوكه وتصرفاته ومشاعره وأفكاره مبادئ المنهج ومعانيه، وعندئذٍ فقط يتحول إلى حركة ويتحول إلى حقيقة”.

وقال ابنها ناصر كذلك: “أمي وإن كانت أُمِّيةً لا تقرأ ولا تكتب، لكنها بممارستها التربوية معنا ومع غيرنا رسمت لنا (بنين وبنات) قواعد تربوية ينادي بها كثير من العلماء والمربين، ويفتقدها كثير من المتعلمين والمثقفين، وهي بهذا الاعتبار مدرسة مباركة لنا وللأجيال من الأحفاد والأسباط، ولقد فهمت جيداً من الواقع العملي لوالدتي معنى قول الله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) سورة البقرة (282) فتقوى الله تدفع الأميَّ والمتعلم على حدٍ سواء إلى المعرفة وحسن التدبير والتوفيق والسداد، وبالتالي إلى اللحاق بركب المتميزين والمتميزات، والسعادة في الدارين” أهـ.

وقد لفت انتباهي -أكثر من السابق- وانا أدَوِّنُ بعض الذكريات عن والدتي أن النجاح مما يتساوى فيه الرجال والنساء، وقد يتفوق أحدهما على الآخر، فالقيمة الإنسانية الاعتبارية لكل منهما عند الله وعند الناس واحدة كما قال الخالق جل وعلا: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (سورة الحجرات (13)، وقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (النساء شقائق الرجال)( )، وهذا من المساواة في القيمة الإنسانية والاعتبارية بين كل الناس، وكل الأزواج التي خلقها الله، أما الاختلاف الفطري فهو في طبيعة كلٍّ منهما (الفسيولوجية، والبيولوجية، والسيكولوجية)، وهذا الاختلاف هو ما يحقق مساواة التكامل بينهما في الوظائف والمهام والأعمال، حيث لكلٍ وظيفة في الحياة.

فالموجب (+) لا يستغني عن السالب (-)، والعكس كذلك، في الانسان وغيره من مخلوقات الله، بل ويتكامل كل واحد بالآخر كما هو حال الطاقة الكهربائية، ويكفي أنه لا قيمة لواحد دون الآخر.

وقد عبَّر عن هذا التكامل خالق هذا الانسان بدقة متناهية في التعبير (بعضكم من بعض) وذلك بقوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) (آل عمران195).

************

وواقع أمي التربوي مع زوجها وأولادها وغيرهم جعلني اكتب عن والدتي في هذه (الرسالة) عن ثلاث قضايا مهمة لفتت انتباهي بشكل خاص وهي الأبرز في حياتها، وقد استحقت التدوين، وهي حقائق معروفة عنها في وسطها الاجتماعي، وهذه الثلاث شكلت الوقفات الرئيسة لقراءتي في حياة والدتي ومدرستي في الحياة حيث (عُنصر النجاح مع الزوج والبيت، وتحقيق وظيفة الحياة، والإنتاجية في عصر الاستهلاك)، ويكفي أن تدوينها مبرراً مهماً لوجود هذه (الرسالة)، كما نتج عن هذه الوقفات نتيجة علمية منطقية، وهي الأبرز، وقد دوَّنتُ تلك النتيجة كسبب رئيس للنجاح الذي تحقق – بتوفيق الله- لوالدتي في حياتها الأسرية والاجتماعية.

ففي الوقفة الأولى: أدركتُ بما لا يدع مجالاً للشك -وأنا قد عشتُ وعايشتُ والدي ووالدتي- أن من أبرز عناصر نجاح والدي (عبدالله بن سليمان السلومي)( ) في شؤون حياته العلمية والعملية، والدعوية والاحتسابية، هو دعم والدتي المباشر وغير المباشر، لقد وفَّرت والدتي لزوجها الاستقرار النفسي والعاطفي والاجتماعي، كما أعانته على مشاريعه الدعوية والخيرية، إضافة إلى خدمة جميع شؤونه وشؤون ضيافته وقهوته العامرة صباحاً ومساءً وعلى مدى أكثر من ستين عاماً، -فحسب علمي- أن والدتي طوال حياتها الزوجية لم تذهب مرة واحدة لأهلها غاضبة أو محتجة من تزاحم أعمال زوجها أو كثرة مسؤولياته، فضلاً عن أن يكون الطلاق أو التهديد به، وذلك على مدى حياتهما الزوجية حوالي (ثلاثة وستين عاماً)، ولاشك أن ذلك من نجاح الطرفين لإيمانهما الراسخ بمساواة التكامل في الأعمال والوظائف بينهما، وحقاً فإن نجاح الرجال وتفوق المجتمع واستقراره وراءه نجاح البيوت المطمئنة المحافظة، ورأس الهرم فيها، أو حجر الزاوية لها هو (المرأة الزوجة) باستيعابها حقيقة وظيفتها الأسرية والاجتماعية.

وفي الوقفة الثانية: أقول بحق: إن والدتي لم تنجب ستة من الشباب وخمساً من البنات وماتت عنهم فحسب، بل أنجبت (إحدى عشرة أسرة) تعبد الله وتُسهم في أعمال الخير للغير، شأنها شأن كل أسرة محافظة ملتزمة بدينها، وتلك الأسر أنجبت أضعافها في العديد من البيوت الأسرية، وكل ذلك مما يُحقق وظيفة الحياة، ويخدم سنة الله في عمارة الأرض والنماء والعطاء، وتلك وظيفة أكبر من عمل الأجير، ورسالة أقوى من وظائف الأُجراء، وقد أكَّد هذا الواقع عملياً -دون غيره- أن المرأة المسلمة عاملة بفطرتها ووظيفتها التي  خُلقت من أجلها، وقد كانت والدتي عاملة في منزلها أكثر من ست عشرة (16) ساعة يومياً باختيارها ورغبتها، علماً أن تربية أولادها (بنين وبنات) بحد ذاته يُعد عملاً كبيراً لا يمكن لغير الأم أن تقوم به كاملاً وشاملاً، خاصة حينما تكون التربية الصالحة من الأم لأولادها هي الهم الأكبر للمرأة، ولذلك فإن تخلي المرأة عن هذه الوظيفة يعني استحداث وظائف متعددة ومتنوعة داخل المنزل بأجور مدفوعة نيابة عن وظيفة (ملكة البيت)، والأخطر من ذلك أن لا أحد يُمكِنُه أن يكون مربياً بمستوى الأم وربة المنزل، ولذلك لا معنى لما يطرح عن (بطالة المرأة) في المجتمعات الإسلامية التي تلتزم بمفاهيم قوامة الرجل حيث المسؤولية المالية من أبرزها، بل إن عمل المرأة خارج المنزل فيه إسهام كبير في (بطالة الرجل) وبالتالي في تعطيل المجتمع.

أما الوقفة الثالثة: فإنها تتعلق بقيم الإنتاج في زمن الاستهلاك، حيث أمي كانت منتجة في أول حياتها كما هو واقع الأسر والعائلات حينما كانت مصادر إنتاج للبيت والمجتمع، وقد عاصَرَت وعَاَشَت والدتي تحولات الأسرة من بيوت منتجةٍ إلى مُستهلِكَة، وعُرف عن والدتي أنها لم تعرف الأسواق للتسوق، بل إنها كانت منتجة أيضاً في حقبة الاستهلاك، فهي لم تحْتَجْ إلى خادمة خاصة بها قط، وقد كانت متحفظة على وجود الخادمة بمنزل ابنها الساكن معها، لأنها تُعوِّد الأجيال على عدم الإنتاج وعلى الإسراف في الاستهلاك، وقد تعودت أمي وبقناعاتها التربوية والإدارية للبيت أن تقوم بنفسها بكل ما يحتاجه الزوج من عناية، والأولاد من رعاية، بل وتغطية البيت بكل احتياجاته، إضافة إلى توظيف الصغار والكبار على الإنتاجية لخدمة بعض المشروعات الخيرية المتواضعة وغيرها، تقول ميمونة بنت محمد السلومي: “لقد كانت تربية جدتنا متميزة حينما كانت تُوظِّفُ طاقاتنا وإمكانياتنا على معاني الإنتاج، وقيم العمل في صيف كل عام نقضيه عندها في صغرنا، فلا فراغ ولا (طفش) من الحياة كما هو تعبير كثير من أجيال الاستهلاك لأن الجميع مشغولون بالعمل، لقد حوَّلت جدتي أوقات وطاقات الأحفاد والأسباط -وأنا منهم- إلى منتجين في عملها الدؤوب في سعف النخيل، فأشركتنا معها في صناعة منتجاتها من (سفيف النخل) لبيعها أو إهدائها، أو الاحتفاظ بها كتحف منزلية، وأشركتنا في عملها الخيري تنظيماً وتوصيلا، وحقاً تَعَلَّمنا الإنتاجية منها زمن الاستهلاك، وتعلمنا استثمار الأوقات زمن قتلها وهدرها، حيث جَثَمَتَ كل وسائل الاستهلاك التي تُشترى بالمال لتُسهم في قتل روح العمل والإنتاج عند الصغير والكبير، إضافةً إلى كونها وسائل ساعدت على توليد ما يسمى بـ(الطفش) -كما هي العبارة الدارجة-لدى كثير من الأفراد والأسر حيث الواقع المعاصر والله المستعان”أهـ.

وأقول عن ما سبق: إنني لم أتكلف استنتاج هذه الوقفات أو نتيجتها، ولكنها خواطر وردت وأنا أستعرض حياة والدتي المتواضعة، وساعد على ذلك بعض الإشارات من المشاركين والمشاركات. وبعد هذه الوقفات هل أمي حقاً مدرسة؟ وهي الأمية التي لا تقرأ ولا تكتب!!، إن الإجابة بنعم عن هذا التساؤل -بالنسبة لي- من النتائج المنطقية، وهي حقيقة مُسَلَّمه، فهي مدرسة ذات مناهج تربوية عملية، بل نظرية وتطبيقية، لكن من حق الآخرين الحكم بالنفي أو الإيجاب، ولعل في ثنايا هذه (الرسالة) ما يساعد هؤلاء على الإجابة عن هذا التساؤل، فلكلٍ حقه في الاختيار الصحيح في زمن تلاشى فيه الاحتكار لوسائل المعرفة والوصول للحقيقة.

كتبه/ محمد بن عبد الله السلومي

[email protected]

 

[1] هذه رسالة مأخوذة من مقدمة كتاب (أمي مدرستي) تأليف: محمد بن عبد الله السلومي، وأُفردت هنا استجابة لطلب كثير من قراء الكتاب الذين طلبوا إنزال المقدمة برسالة منفصلة، وكذلك أُفردت الخاتمة وضُمَّ إليها مقدمة الطبعة الثانية للكتاب، وذلك في رسالة أخرى منفصلة وُضعت في الشبكة المعلوماتية مع تعديلات يسيرة جداً، ويمكن للقراء الحصول على نسخة إلكترونية كاملة للكتاب من خلال موقع مركز القطاع الثالث للاستشارات والدراسات الاجتماعية على الرابط التالي: http://3rdsector.org

[2] أخرجه الإمام أحمد حديث برقم 5869.

[3] انظر: عن ترجمة الشيخ عبدالله بن سليمان السلومي كتاب تحت التأليف بعنوان: (عبد الله بن سليمان السلومي – التطوع: الشخصية والرسالة)، تأليف محمد بن عبدالله السلومي.

تصفح الرسالة pdf

لا توجد تعليقات

بريدك الالكتروني لن يتم نشره


الاشتراك في

القائمة البريدية

اكتب بريدك الالكتروني واضغط اشتراك ليصلك كل جديد المركز

تصميم وتطوير SM4IT