Skip to main content

06_الوقفات الثلاث مع العمل الخيري

الوقفة الأولى:

ورد في السنة النبوية: (ما من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أوقف).

وفي هذا الحديث إشارة إلى تأصيل الأوقاف وتطبيعه أو تعميمه لدى أفراد الأمة الإسلامية لأن الأوقاف هي النواة الأولى للمؤسسات والأعمال الخيرية.

وورد كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم: (سبق درهم مائة ألف درهم) والتبرعات العامة في الأماكن العامة من الأعمدة الرئيسية لنجاح العمل الخيري, وفي هذا الحديث حث على المشاركة الشعبية وبكل الوسائل لتوسيع دائرة الإحسان لكل مشارك حتى الفقراء والصغار والكبار والنساء والرجال لتكون مشاركة جميع شرائح المجتمع في العمل الخيري ودعمه بكل الموارد البشرية والمالية للأمة.

وقد جاء الصحابة إلى الرسول r يستشيرونه ومنهم عمر بن الخطابرضي الله عنه  فكان توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم إليه في أرض خيبر تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة بعيداً عن الدولة التي يرأسها المصطفى صلى الله عليه وسلم .

وفي هذا الحديث إشارة إلى بناء قوة للأمة غير موازية ومساندة لقوة الدولة وذلك بالأوقاف الخيرية وتأسيس أعمال الخير والبر بشكل يساند قوة الدولة الإسلامية ولا تتأثر الأمة الإسلامية بضعف أو انكسار الدول.

بهذه الأحاديث من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم كان للأمة قوة مساندة عبر 12 قرناً من الزمان, وكانت الحضارة الإسلامية نتاج ذلك التشريع, بل وكانت مشروعاتها الوقفية خير داعم للتصدي ووقف العدوان الخارجي.

لقد تجاوزت الأمة الإسلامية بأخذها بمبادئ السيرة النبوية بهذا الجانب أن تعدت تغطية احتياج حقوق الإنسان إلى حقوق الحيوان  والتاريخ شاهد بذلك.

الوقفة الثانية:

حينما نأخذ بمبادئ السيرة النبوية ونعمل بالسنة النبوية فإن القطاع الخيري في الإسلام قد يصل من حيث الموارد المالية وتلبية احتياج حقوق الإنسان إلى أن يكون هو القطاع الأول من قطاعات التنمية الرئيسية الثلاثة للدولة (القطاع الحكومي والقطاع التجاري الخاص والقطاع الخيري) وذلك من حيث الترتيب لأن الحضارة الإسلامية عبر التاريخ نتاج هذا القطاع حتى كان موقعه الإداري والتنموي قبل القطاع الحكومي والقطاع التجاري , وقد تم تغييب القطاع الخيري الإسلامي من موقعه الإداري والاعتباري في دول العالم العربي منذ عام 1224هـ زمن محمد علي باشا حينما أمم العمل الخيري بتأميم الأوقاف والمساجد وأنظمتها وذلك بمشورة بعض الخبراء الفرنسيين وأصبحت الأعمال الخيرية مرسَّمة وتابعة للدولة على حساب الأمة . وبهذا التأميم والترسيم أُعطيت الأعمال الخيرية فضول المواقع الإدارية والأوقات والأموال لتعطي فضول النتائج بل وأصبح هذا القطاع بغياب مفاهيمه الإدارية والمؤسسية الصحيحة التي تعطيه الصفة الاعتبارية والاستقلالية غائب عن الشراكة في عمليات التنمية منذ ذلك الوقت, وحينما بدأت المؤسسات الخيرية الإسلامية في العالم أجمع لاستعادة شيء من هذه المكانة وهي لازالت وليدة وفي طور الحضانة مادياً وإدارياً كانت (دعاوى الإرهاب) جاهزة ومُعلبة للإجهاز عليها.

ويكفي أن نعلم أن لهذا القطاع مسميات في ضل الإدارة الحديثة لأي دولة من الدول المتقدمة مادياً ولكل اسم دلالات معينة ومهمة ومنها :

  1. القطاع المستقل (Independent Sector) ويرمز له (IS)
  2. قطاع المنظمات غير الحكومية: (Non Government Organization) ويرمز له: (NGO).
  3. قطاع المنظمات غير الربحية (Non Profit Organization) ويرمز له (NPO)
  4. القطاع الخيري (Charitable Sector) ويسمى كذلك (Philanthropy Sector) كتخصص دقيق.

الوقفة الثالثة:

إن الإدارة الحديثة للدولة والتي تعمل بها أمريكا ودول أوروبا وكثير من دول آسيا وبشكل عام كما يقال دول الشمال كلها تعمل بمفهوم القطاع الثالث كقطاع شريك للقطاعين الأخريين في عمليات التنمية, فيكون للقطاع الخيري جامعاته ومراكز بحوثه ودراساته ومستشفياته وشركاته الاستثمارية ومدارسه ليقوم بكبح جماح طغيان القطاع الحكومي وسد ثغراته والحد من جشع وطمع القطاع الخاص التجاري “كعملية توازن” والعمل وفق هذه الحقيقة الإدارية هو الذي رسمته السيرة النبوية والسنة النبوية بدون تعسف لفهم النصوص الواردة في هذا الشأن بل وكان العمل به عبر القرون السابقة كما سبق وهو الذي تطبقه الإدارة الحديثة للدولة في معظم دول العالم وسوف أشير إلى بعض الحقائق والأرقام بشكل مختصر عن ذلك القطاع وقد أشرت إليها بشيء من التفصيل في كتابي (القطاع الخيري ودعاوى الإرهاب).

* 212 مليار دولار حجم التبرعات في عام 2002 في أمريكا, 38% منها لأغراض دينية ويعني ذلك حوالي 80 مليار دولار, وهذا غير ميزانيات مجلس الكنائس العالمي.

* 90 مليون متطوع في جميع الأعمال الدينية والإغاثية والإنسانية بواقع 5 ساعات أسبوعياً في التطوع في جميع التخصصات.

* 32000 مؤسسة وقفية مانحة تمنح الأعطيات والأموال وتساند الجمعيات, وآخر مؤسسة هي مؤسسة بيل غيتس الوقفية مع زوجته بوقف مقداره (24) مليار دولار.

* 80 مليون أصولي من المسيحيين المولودين من جديد يدفع معظمهم إلتزاماً دينياً مقداره 5% من دخله الثابت غير التبرعات والضرائب.

* مليون ونصف المليون منظمة غير ربحية ثلثيها منظمات خيرية 48% منها قائمة على أساس ديني.

* رابطة الجامعات غير الربحية تضم حوالي 100 جامعة أمريكية منها تخصصات للعمل غير الربحي وتخصصات في العمل الخيري الدقيق.

* 32000 مؤسسة وقفية مانحة للأموال وداعمة للمؤسسات الخيرية في عام 1996م وعلى رأسها مؤسسة فورد و روكفلر ومؤسسة ديوك وبل غيتس وغيرها. (مؤسسة بل غيتس 34 مليار دولار كمثال)

وآلاف المجالس والهيئات الأهلية المستقلة التي تشرف على الأعمال الخيرية في أمريكا.

أما في إسرائيل فقد بلغت ميزانية المشروعات التي تدخل في هذا الإطار 11 مليار دولار في سنة واحدة وهي عام 1995م و يشكل الدعم الحكومي معظم موارد تلك المنظمات حيث وصل الدعم الحكومي إلى 65% كما يوجد في إسرائيل وحدها أكثر من (35000) منظمة غير ربحية وهي تفوق منظمات وجمعيات العالم العربي بأسره والحديث يطول في هذا.

أرجوا أن نُعيد النظر في قراءة السيرة والسنة لندرك أننا سوف نجد ثروة تأصيلية لهذا القطاع اليتيم في العالم العربي ونكتشف أننا بديننا وموروثنا الثقافي والحضاري سوف يكون كل فرد منا مؤسسة خيرية متحركة, وكل درهم عندنا مع دراهم أخرى أنهاراً جارية من الخير لكل أعمال الخير (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون).

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه/ د. محمد بن عبدالله السلومي

المشرف العام على مركز القطاع الثالث للاستشارات والدراسات الاجتماعية (قطاع)
[email protected]

 

تصفح الرسالة pdf

لا توجد تعليقات

بريدك الالكتروني لن يتم نشره


الاشتراك في

القائمة البريدية

اكتب بريدك الالكتروني واضغط اشتراك ليصلك كل جديد المركز

تصميم وتطوير SM4IT