Skip to main content

رموز نخبوية بأقوال مختارة عن منهجية الدكتور محمد العقلا الإدارية

فَرَضَت كثرة المقالات والآراء حول هذه المنهجية والتجربة، أن يأتي هذا القسم تكملةً وإتماماً للمقال المعنون والمنشور في صحيفة مكة: (التكامل بين الوظيفة والرسالة: منهجية محمد العقلا الإدارية – حالة دراسية) للكاتب محمد بن عبدالله السلومي.

 وتأتي المقالة المكملة هنا، بغرض إضافة ما كُتب حول هذه المنهجية تحديداً، وفي هذا تيسيرٌ على القراء والباحثين في هذا الموضوع، حيث جمع ورتب (موقع القطاع الثالث للاستشارات والدراسات الاجتماعية) هذه المقالة الطويلة بصفته جزء من حقوق واستحقاقات الدكتور محمد بن علي العقلا -رحمه الله- على مجتمعه وعلى محبيه.

مؤشرات الأثر والتأثير:     

تُعدُّ صناعة الأثر المُخرَج الأساسي والجوهر للنجاحات الإدارية المستدامة لأي فرد. وربما تكون مُدْخَلات ومُخْرجات إدارة العقلا التطويرية بمثابة خارطة طريق (للمدرسة الإدارية المرنة)، التي يمكن تعليمها للأجيال القادمة ممن يتولون القيادة والمسؤوليات. وقد تناول كثير من الكتّاب موضوع الأثر، ومن ذلك ما كتبه الأستاذ الصحفي موسى الجهني عن العقلا وَوصَفَهُ بـ(صانع الأثر) رغم أن فترة إدارته كانت محدودةً بأقل من ست سنوات (3 ربيع أول 1428هـ – 15 ذي القعدة 1434هـ): «أثرى في الوقت ذاته الجامعة الإسلامية بعلومه، تاركاً (بصمة ريادة) ستظل محفورة على جدرانها. وأحدث خلال فترة إدارته للجامعة الإسلامية نقلة تطويرية مشهودة، عزَّزَ خلالها من قيمة التوسع المدروس، وأولى تطوير الهياكل الإدارية جل اهتمامه، كما اعتمد خططاً إستراتيجية رفعت من كفاءة الأداء الإداري، وأشرف على توسعة مرافق الجامعة، ومع كل ما حققه تأتي إسهاماته التي لا تُنسى في تأصيل برامج المنح والتعاون الدولي، ومسعاه الناجح حينما مد بساط الاستضافة لأكبر عدد من طلاب الدول للدراسة بالجامعة، ووُصف برجل المبادرات الناجحة».

ولأن التطوير يتطلب متطلبات ومُخْرجات محددة، فإن نجاحه وتحقيقه يعتمد على القيادات الإدارية المرنة. وقد تجلى هذا (الأثر) بوضوح في تأسيس البنية التحتية للإنسان والمكان، وفي الأنظمة والمخرجات الفاعلة في الجامعة الإسلامية أثناء فترة العقلا، وهي من معايير النجاح الإداري. وقد تناول الأستاذ عبدالمحسن البدراني هذا الموضوع، وسَرَدَ أبرز معالم المنهجية الإدارية للعقلا ذات الأثر والتأثير، ومن قوله :«هناك أشخاص يأتون إلى حياتنا بلا ضجيج، لكنهم يتركون فيها (أثراً) يبقى حتى لو غابت خطواتهم إلى الأبد، ومن هؤلاء الذين لا تُختَصر سيرتهم في كلمات، العقلا الرجل الذي جمع بين وقار العالم، وهيبة المسؤول، ورقة الإنسان... فلم يكن العقلا مجرد مدير عابر للجامعة الإسلامية، كان (صانع أثر)، وباني مرحلة، ورجل إدارة يعرف كيف يُحوِّل الفكرة إلى عمل، والعمل إلى بصمة تبقى. في زمن إدارته، شهدت الجامعة نقلةً واضحة توسعت مرافقها، وتطورت برامجها، وارتفع حضورها العلمي محلياً وخارجياً».

أدرك العقلاء أهمية تعزيز مكانة الجامعة الإسلامية وحضور الدولة التي تحتضنها، وذلك بتعميق رسالتها العالمية لتصبح مؤثرة على المستويين المحلي والعالمي. وعن هذا أضاف البدراني: «كان حريصاً على تعزيز مكانة الجامعة عالمياً، فتوسعت مشاركاتها، وتعددت شراكاتها، وارتفع صوتها في المؤتمرات والندوات والمحافل العلمية. لم يأت ليستعرض منصباً، بل جاء ليبني، وقد بنى، وجاء (ليترك أثراً)، وقد ترك أثراً لا يزال باقياً في أروقة الجامعة وبين طلابها». 

وكتب الأستاذ ماجد الصقيري عن هذه الشخصية الإدارية المرنة، التي تُشكِّل إحدى الركائز الأساسية للمدرسة الإدارية الناجحة، والتي تترك (أثراً) لا يُنسى. تتجلى هذه الركائز في النشاط العلمي والثقافي الذي كان يتمتع به العقلا، وكذلك في مرونته الإدارية داخل الجامعة، مما يجعله نموذجاً يُحتذى به في الإدارة المرنة: «قَدَّمَ نموذجاً فريداً ومميزاً للمسؤول، وصنع حراكاً تعليمياً وثقافياً واجتماعياً لن يُنسى، وفتح الجامعة للجميع لاستكمال الدراسة بشروط مُيَّسره، كان صديقَ الطالب، قريباً من الصغير والكبير، فتح أبواب الجامعة الإسلامية للجميع ليشاركوا في مناسباتها ومنتدياتها وملتقياتها المختلفة، ترك (أجمل أثر) في المدينة المنورة».   

وكتب المحامي الأستاذ أيمن بن أحمد السهيّان عن مرونة العقل الإدارية، وجهوده في تطوير الجامعة لتحقيق رسالتها العالمية لأبناء المسلمين، وهي ملامح من مدرسته ذات (الأثر العملي): «قائدٌ يحمل قلب إنسان، وإداريٌّ يصنع (الأثر) بالفعل لا بالقول، شهدت الجامعة في عهده نقلة واضحة في الفكر والتنظيم والاهتمام بالطالب، وكانت إنسانيته ركيزة لكل ما يفعله».

وكتب أيضاً عن إدارته المرنة التي اتسمت بالرفق والتيسير وحققت (أثراً حسناً)، مما أثار رضا وإعجاب الأستاذ الدكتور خالد بن سعد الخشلان. وقد أوضح الخشلان معايير النجاح الإداري لأي مدرسة إدارية، مبيّناً أن جوهرها يكمن في التيسير والمحبة للعمل وللمستفيد، وذلك بقوله: «كان محبوباً ممن عَمِلَ معه من الأساتذة والموظفين والطلبة، (مآثره) محمودة، ومناقبه مشهورة، وسيرته مرضية، وسعيه في تفريج الكرب معلوم، وكانت إدارته محل رضا وإعجاب من الجميع».

وقد كتب عن هذا الأثر الملموس الذي لا يموت وتأثيره في (إرثه الإداري)، العميد المتقاعد نايف بن زيد الحارثي، وذلك في ختام مقالته عن العقلا: «رحل تاركاً وراءه (إرثاً) من القيم، وذكراً من العطاء، و(أثراً) من العلم. دفن في مقبرة شهداء الحرم، لكنه بقي حياً في القلوب، خالداً في الصفحات، حاضراً في الدعوات…إن الحديث عنه ليس رثاءً، بل هو تجديد للعهد بأن الرجال العظام لا يموتون، بل يظلون أحياءً في ضمائر الأمم، ما دام عطاؤهم شاهداً، وذكراهم منارة، وسيرتهم درساً للأجيال».

وصف الدكتور براء حسن التركستاني معايير الإدارة الناجحة، ومن أبرزها (الأثر) الذي يتركه الإداري المتميز في إدارته، وكذلك كانت إدارة العقلا: «في مشهد نادر لا يصنعه إلا أصحاب النفوس الكبيرة و(الأثر العميق)، فشهادات طلابه وزملائه وكل من قابله امتلأت باستحضار المواقف، والحديث عن إنسانٍ لم يكن يمر في حياة أحد إلا وترك فيها نورًا لطيفًا و(أثراً باقياً)… من الشخصيات التي تُدرك منذ لقائها أنك أمام إنسانٍ استثنائي في خُلقه وطِباعه؛ هدوءٌ يسبق حضوره، ووقارٌ مطمئن لا يشبه إلا أهل الرسوخ في العلم والحكمة… رحل العقلا، لكن بقي أثره: في نفوس طلابه، وفي أخلاق من عرفوه، وفي كل قلب مسه بدفء كلمة أو بضوء رحلة علمية كان فيها معيناً ورفياً وداعماً».

وفي ختام الحديث عن الأثر، كتب الدكتور عدنان بن عبدالله المزروع، مدير جامعة طيبة سابقاً، عن (الأثر الإداري) ومعايير النجاح في الإدارة، وعن كيفية بقاء هذه التجربة حية في ذاكرة التعليم وأرشيفات الإدارة الحكيمة: «رحل رجل من رجالات المملكة الذين جمعوا بين العلم الراسخ، والخلق الرفيع، والإدارة الحكيمة، تاركًا خلفه (أثراً طيباً) يشهد به كل من عرفه أو عمل معه، لم يكن الدكتور العقلا إداريًا ناجحًا فحسب، بل كان إنسانًا نادرًا، قريبًا من الناس. رحل الدكتور العقلا، وبقي إرثه في كتبه، وطلابه، وقراراته التي أسَّست مشاريع تعليمية، وذكراه التي لا تمحى من قلوب من عرفوه».   

 ملامح مدرسته الإدارية:  

تواترت الإشادات بـ(منهجية العقلا الإدارية المرنة)، التي تميزت بالشجاعة الإدارية والإنسانية، وبنجاحها الملموس الذي يعكس صفاتاً وقيماً تضمن نجاح المدير والإدارة. وقد أكد الأكاديميون أن أعماله الإدارية والتطويرية تضمن بقاء الكيانات الإدارية قوية وفعالة للأجيال القادمة. وتكررت الشهادات حول سمات إدارة العقلا ومنهجيته، التي نهضت بالجامعة الإسلامية وأعادت إليها قوتها وإشراقها وتأثيرها العالمي، حتى اعتبرها بعض الأكاديميين مدرسة قائمة بذاتها.  

وصفه الكثير من محبيه والمستفيدين، أو المبهورين بمنهجيته الإدارية القائمة على معايير ومفاهيم القيادة المثلى، بأنه إداري ناجح. فمعايير (التطوير والتسهيل والمرونة) هي عناصر نجاح لأي مدرسة، وقد تكررت هذه الأوصاف عن قيادته المتميزة من شهداء الله في أرضه. لذلك، اقتُصر الاختيار في هذه المقالة على الأقوال المتعلقة بمعايير النجاح الإداري فقط، لإثراء هذه الحالة الدراسية .

أما منهجية العقلا، التي أحدثت أثراً وتأثيراً بالغين في المجال الأكاديمي، فقد دفعت هذا التميز أحد الأكاديميين إلى وصفها مراراً بـ(المدرسة). وقد أسهب وكيل جامعة أم القرى، الأستاذ الدكتور فريد بن علي الغامدي، في وصف الصفات الإدارية التي تحلّى بها العقلا، حتى أصبحت تلك الصفات أنموذجاً إدارياً يُحتذى به في العمل القيادي الناجح، ومما قاله في هذا الصدد: «أحد أبرز القامات الأكاديمية والإدارية في التعليم العالي في المملكة، لم يكن أستاذًا فحسب، ولا إداريًا محنّكًا، ولا رائدًا من رواد الادارة الجامعية حينما كان (مدرسة قائمة بذاتها). مدرسةٌ تؤمن أن الإدارة ليست لوائح ولا مقاعد ولا صلاحيات، فهناك من الرجال من تبقى آثارهم حاضرة حتى وإن غاب الجسد؛ لأنهم عاشوا حياتهم قيمةً مضافة في حياة الآخرين، وكانوا مدرسة في القيادة قبل أن يكونوا أصحاب مناصب. كان ابا طارق على حد علمي قائد مدرسةٍ عنوانها: “الإنسان أولاً”، فقد تميّز الدكتور العقلا – رحمه الله– بأسلوب إداري فريد، جعل منه نموذجًا نادرًا في بيئة العمل الجامعي. لم يكن يعتمد على السلطة الرسمية، ولا على الظهور، ولا على لغة الأوامر؛ بل مارس الإدارة بإنسانيته قبل أدواته، وبَسْمَتِه الهادئة قبل خططه، وبقلبه الرحب قبل مكتبه الواسع».

ومن الأقوال التي وصفت إدارة العقلا ومعاييرها، الدكتور حسن النجراني مستشار الجامعة الإسلامية بالمدينة، حينما وَصَفَهُ بأنه “قائد استثنائي”، يبرز نجاحه المشهود في ممارسته للإدارة المتنوعة في جامعة أم القرى، إلى جانب إدارته للعديد من المناصب واللجان على مستويي الجامعة والدولة. وتُوّج هذا العمل الإداري البارز بتوليه إدارة الجامعة الإسلامية، حيث أدارها بنجاح متزايد مستنداً إلى رؤية إسلامية إنسانية. ومما قاله النجراني عن ملامح مدرسته: «كان الفقيد (قائداً استثنائياً) أثناء رئاسته للجامعة في مرحلة مفصلية من تاريخ الجامعة، لم تكن الجامعة مجرد أرقام، بل كانت رؤية إنسانية تهتم بالمنظومة العلمية أساتذة وطلاباً وموظفين، وشهدت الجامعة في عهده توسعاً في البرامج الأكاديمية والبيئة التعليمية، وافتتح آفاقاً واسعة للتواصل الدولي». ومن هذه الملامح حصول الجامعة الإسلامية على نقلة نوعية في البرامج الأكاديمية والبحثية، وكان التوسّع في القبول والمنح الجامعية واسعاً خصوصًا للطلبة من خارج المملكة، كما كان العمل بارزاً في تحسين البنية الإدارية والتشغيلية.

كتب الدكتور عمر بن عبد الله الهزازي عن المنهجية الإدارية للعقلا التي تتسم بالمرونة، لدرجة أنه وصفها بـ(أمة في إدارته). ومما قاله عن ملامح المدرسة الإدارية في التيسير: «لما كان رئيساً للجامعة الإسلامية، أضاء منها كل شيء، وملأها رحمةً وعدلاً وتيسيراً على الناس، وتفريجاً لكربات الطلاب، وكان يزورهم في مساكنهم الجامعية ويتودد إليهم، وربما تناول من طعامهم، ولما غادر الجامعة بكاه الحجر والشجر والطلاب والموظفون ودعوا له بالخير والتوفيق، رحم الله محمد العقلا فقد كان أمةً في أخلاقه، أمةً في إدارته، أمةً في مساعدة الناس، أمةً في تفهم حاجات المحتاجين، لم يكن يُغلق بابه ولا يتأفَّف من السائلين، ولا يَضْجَر من إلحاح المُلحين».  

وكتب الأستاذ الدكتور عبدالرحمن حسن العارف عن إدارة العقلا، مؤكداً المعايير والقيم الإدارية الناجحة التي اتسمت بها، والتي رسمت بصدق ملامح مدرسته التي نقلت الجامعة إلى مصاف الجامعات العالمية: «نَقَلَ الجامعة الإسلامية في جميع الجوانب الادارية والعلمية والثقافية والفكرية نقلات نوعية، تخطى بها حدود الزمان والمكان والإمكانات، وأصبحت الجامعة تحتل مكانة سامقة بين الجامعات المحلية والعربية والإسلامية، وأصبح لها حضور معرفي في الداخل والخارح، وخاصة في إصداراتها العلمية المتميزة التي احتلت بها مركز الصدارة بين الجامعات. وهذا يدل على أن الجانب البحثي في إدارته للجامعة، كان يأخذ منه النصيب الأوفى والمكانة الجديرة به من الاهتمام والاحتفاء والدعم والمساندة».  

وللأستاذ أحمد عبدالمحسن العساف مقالةً ضافية عن العقلا وإدارته، أوضح فيها نموذجاً عملياً للإدارة القيمية تستحق أن تُوصف بأنها (مدرسة)، تتحول فيها الأخلاق إلى ممارسة يومية لا إلى شعارات. فقد قدّم العقلا مثالاً للقائد الخادم، الذي يرتقي بالمنصب حين يجعله وسيلة للنفع العام، ويبرهن أن السمو الأخلاقي هو جوهر القيادة الحقيقية: «امتاز الدكتور محمد بتنفيذ مفهوم الإدارة على أرض الواقع، بعيداً عن التقارير والآراء النظرية… حَجَزَ الشيخ العقلا لنفسه موضعاً رفيعاً في قائمة مديري الجامعات ورؤسائها بالطريقة التي أدار الجامعة بها، فكان قريباً من الجميع بتواضعه، وسعيه للنفع العام، وفتحه الباب للتواصل بأكثر من صورة في أي وقت. فهو في منصبه لأجل أن يخدم وينفع ويُعِين، وليس لأجل أن يضر أو يعطل أو يعيق… وأن المناصب بها تزدان وليس العكس. لأجل ذلك جعل شيخنا من منصب “المعالي” سلمًا لبيان أجمل المعاني وأسناها».

وكتب الأستاذ عبدالله الجميلي عن (الاستثنائية الإدارية)، مشيداً بالنجاح الملحوظ للعقلا في العلاقات المجتمعية التي أثمرت دعماً مجتمعياً كبيراً، والذي استفادت منه الجامعة كثيراً في ظل إدارته. وكانت هذه العلاقات الأخلاقية الرفيعة من عوامل نجاحه الإداري، مما دفع الكاتب إلى وصف هذه الاستثنائية بأنها مدرسة يُحتذى بها: «كان استثنائياً في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخلص في حبّـها والعمل على خدمة أهلها؛ ولذا بادلته الـحـبّ فسكن قلوب أهلها، واستحق (جائزتها) لخدمة المجتمع. العقلا باختصار (مدرسة استثنائية في الإدارة والإنسانية)، وحـقّ الوطن أن يُـفيد من تجربته».  

وفيما يتعلق بأنسنة الإدارة ومعاييرها الناجحة ورسالتها الأكاديمية الإسلامية السامية التي تسبق كونها مجرد وظيفة لمديرها، كتب الأستاذ يوسف بن عبدالعزيز حافظ عن هذه المنهجية الإدارية وملامحها البارزة، التي تستحق أن تكون مدرسة يُحتذى بها، وذلك بعنوان (بين رحيل العقلا وإنسانيته التي كرَّسها مديراً للجامعة)، ومما قال: «دخل الحياة الأكاديمية وهو يحمل قناعة راسخة، بأن الجامعة رسالة قبل أن تكون وظيفة، وعندما تولّى مهام وكالة جامعة أم القرى للدراسات العليا، ثم إدارة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، تجلّت بصمته في قراراته، وفي انضباطه، وفي رؤيته التي وضع فيها الطالب والمعرفة في قلب كل خطوة، حتى أصبح اسمه مرادفاً للتطوير والتنظيم والنهج العلمي الرصين.. عَرَفَه الجميع بنزاهة لا تتبدل، وبالتزام لا يعرف التراخي، وبروحٍ تؤمن أن العلم أمانة، وأن الإدارة تكليف لا تشريف»، وهي قِيَم ومعايير للمدرسة النموذجية رغم تحديات التطوير، ومتاعب التنظيم، وتبعات التسهيل والتيسير.  

أبرز الدكتور إبراهيم جكتي في كتابته عن العقلا بعض الملامح المتعلقة بـ(منهجيته الإدارية) المتميزة، ومما ذكره عن جانب التيسير للمستفيدين الأوائل: «أباً للطلاب قبل أن يكون مديراً لهم، قريباً من قلوبهم، يزورهم في غرفهم ومجالسهم، ويتلمّس حاجاتهم بعطفٍ وحكمة. فتح أبواب الدراسات العليا، ورفع مكانة الجامعة».

ومن جزر المالديف، كتب الأستاذ محمد السعيد عن الصفات الشخصية والإدارية للعقلا، وهي الملامح التي جعلت من منهجيته الإدارية أنموذجاً يُقتدى به، فقد مثَّل العقلا دينه ومجتمعه ووطنه خير سفارة وتمثيل: «رجلًا محبًاً لطلّابه، مُخلِصاً لجامعته ووطنه، وإذا حلّ بأرضٍ كان سفيراً نبيلاً لبلده، يرفع مكانة المملكة أينما حلّ. وقد زار المالديف مراراً، فازداد بفضله عدد طلاب المنح فيها، وهم اليوم من قادة الدعوة وروّادها».

وَصَفَه أحد الطلاب المتعلمين والمعلمين فيما بعد ذلك، بمؤهلات الإداري الناجح المُمثل لدينه وبلده عالمياً بما يليق من التمثيل، حينما كان العقلا (أمةً في رجل)، قائلاً: «ومن أعجب ما لاحظت، أن كل من قابلته أو لازمته في جامعة أم القرى أثناء الدراسة في زمنه، ممن حظوا بالالتحاق بجامعتي أم القرى والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من جميع الدول، بل حتى كل من التقيت بهم في المؤتمرات والندوات في أمريكا وكندا وغيرها يثنون عليه. وكان رحمه الله يعكس صورة المجتمع السعودي والجامعة. هذا الشيخ أمة في تعليم. هذا عمل رجل واحد، لكنه: كما قيل (رجل بأمة، وأمة في رجل)؛ يقوم بما يعجز عن القيام به الكثير». 

الدكتور عبدالعزيز قاسم وَصَفَ هذه (الإدارة المرنة المتميزة) بمصطلحٍ يُعبِّر عن حقيقة التجاوز الكبير للبيروقراطية الإدارية المعيقة، ليتشارك بهذا الوصف مع غيره ممن كتب عن شجاعة العقلا الإدارية في اتخاذ القرارات، وهو ما يضع منه مدرسةً جديرة بالقراءة، وذلك بقوله عنه: «كان (مدرسةً متفرّدةً) في (أنسنةِ الإدارة)؛ فمذ كان عميدًا لخدمةِ المجتمعِ في جامعةِ أمِّ القرى، وهو يعتنق فلسفةَ أنَّ “الكرسيّ” تكليفٌ لخدمةِ النّاسِ لا للتّعالي عليهم. وحين تسلّم زمامَ الجامعةِ الإسلاميّة في طيبةَ الطّيّبة، لم يكتفِ بتشييدِ الحجر، بل مدَّ جسوراً من المودّةِ والتّواصلِ مع البشر. معاليه آمن أنَّ أنسنة الإدارة ليست شعاراً، بل امتحانٌ يوميٌّ ينجح فيه من يفتح قلبه قبل مكتبه»، وهو ما يطرح بقوة دراسة هذه الطروحات المتكررة بهذا الوصف: (مدرسة العقلا الإدارية).

ومن مناقبه في إدارة الجامعة، التزامه بقِيَم وأخلاقيات عكست ملامح (منهجيته الإدارية)، وهي المنهجية التي جعلت من صفاته الذاتية وقِيَمه الإدارية (حالة دراسية) يستفيد منها أجيال الإدارة ويتَّبعونها. وعن هذا كَتَبَ الدكتور عبدﷲ بن سُلَيْم الرُّشَيْد: «كان محمد العقلا يُحرق نفسه عملاً وجِدًّا وإخلاصاً، فأزهرتْ في طريقه المروءةُ والنُّبل. ولم يكن يُحرَق في موكبه البَخور، ولم يستعبدْه المنصب، ولم يغتر باللقب. والناس معادن، وبضدّها تتمايزُ الأشياءُ».   

وُصِفت منهجية العقلا الإدارية في معظم المقالات التي كُتبت عنه، بأنها تمثل إحدى المدارس الإدارية، سواءً (المرنة، أو المتميزة، أو النموذجية، أو الإنسانية، أو مدرسة العلاقات)، وهي قائمة على ركيزتي النجاح الرئيسيتين: (التطوير والتيسير). ومن أبرز ما ورد في المقالات حوله: أنه نقل الجامعة الإسلامية إلى مراحل متقدمة، واستثمر المبادرات المجتمعية من رموز المدينة وأعيانها. وعندما زار الجامعة الإسلامية بعد سنوات من تركه المنصب، استقبله طلابها استقبالاً حافلاً، وهو ما أكد أن محبته لا تزال راسخة، وأن المحبة الحقيقية تظهر بعد مغادرة المناصب، وأن هذا الاستقبال يحكي الأثر الطيب الذي غرسه خلال فترة توليه المنصب. إن ما حدث في الجامعة من أثر علمي وإداري يؤكد أهمية دراسة هذا النموذج، وتدعم هذه الدراسة شهادات الشهود كطلابها وغيرهم حول هذه الحالة. ولتعزيز هذه الحالة الدراسية، يُقترح إجراء بحوث ودراسات في المجلات الإدارية المُحكَّمة في الجامعات أو الكليات المعنية بالإدارة حول هذه (المنهجية الإدارية)، بالإضافة إلى تبني الكليات وأقسام الإدارة الرسائل العلمية الأكاديمية الجامعية لإبراز هذه التجربة. والحقيقة أن تجربة العقلا لا تقل شأناً عن التجارب العالمية، وللجامعة الإسلامية الأولوية في إجراء هذه الدراسات المأمولة لتعميم التجربة والوفاء بحق صاحبها.

وختاماً للحديث عن المنهجية الإدارية السليمة المتوافقة مع النظم والقوانين والضوابط والتشريعات، أكد معالي الشيخ صالح الحصين -رحمه الله-، وهو الخبير في القانون والنظام من خلال دراسته وتدريسه وشراكته وإشرافه على تشريعات التقنين والأنظمة -كما وصف نفسه-، على أهمية العمل الوظيفي المُؤَسَّس على الحكمة والعدالة وما تتسم به هذه المبادئ من مرونة؛ ذلك أن العمل بروح النظام –لا بنصه فقط– هو ما يُنْجِز هدف النظام ومقصوده. ومما قاله الحصين في هذا السياق: «إن وجود القواعد المنظمة ضرورة للمجتمع في كل زمان ومكان، لأن البديل له الفوضى وفساد الحياة، ولكن سن القواعد القانونية المُنظِّمة للمجتمع يقتضي كمتطلب أساسي أن تكون القاعدة القانونية حكيمة وعادلة، حكيمة بأن تكون ظاهرة النفع، وعادلة بحيث تطبق –وبدرجة متساوية– على الكافة… وأن يتم تنفيذها على وجه يتأكد به العدل والجودة في الأداء، وتحييد آثارها السالبة على الوجه الممكن، ولكن المشكلة الرئيسية في إدارتنا الوطنية، هي قصور متابعة تنفيذ القواعد التنظيمية أو انعدامها»، وهذا التعامل السُلوكي مع الأنظمة لدى أصحاب المدرسة المرنة المعطاءة، أجاد في فهمها والتعاطي معها بعض أصحاب الرياسات والمسؤوليات من أمثال الشيخ صالح الحصين والدكتور محمد العقلا -رحمهما الله- ليكونوا مع غيرهم من القيادات الإدارية، نماذج مثالية في الإدارة بالعمل والإنتاج غير التقليدي.

إن تكرار هذه النقولات السابقة وغيرها، يمثل غيضاً من فيض عن مكانة العقلا الإدارية المتميزة، ومحبته، وسمعته الحسنة المأثورة. وهذه المقالات والأقوال والشهادات لم تأتِ صدفة أو بقوة نظامية أو بإغراءات مالية، بل هي تواتر من شهداء الله في الأرض، وفضل ورحمة يخص الله بها بعض عباده الصادقين المخلصين في صواب عملهم.  

تواتر في الشهادات:

ناقش العديد من الأكاديميين والنخب العلمية والفكرية والمختصين في الشأن الإداري، أثر منهجية (العقلا الإدارية المرنة) والمعايير التي اعتمدها في إدارته. وتهدف هذه الإضافات، المستقاة من أقوال الأكاديميين والإداريين حول هذه الإدارة، إلى جعلها مادة للنقاش العلمي والعصف الذهني الإداري حول إمكانية اعتبار هذه المنهجية (مدرسة إدارية نموذجية) يُستشهد بها. ومن ذلك ما كتبه الأستاذ الدكتور زيد الحارثي عن العقلا ونجاحه الإداري المتميز، ومرونته مع الأنظمة والإنسان العامل والمستفيد على حدٍّ سواء، وذلك بقوله: «كان رجلَ دولةٍ وإنسانيةٍ من الطراز الأول؛ اتسم بخصالٍ وأعمالٍ نادرةٍ ومُشرّفة، تجاوزت محيطه ومحيط من يمتّ لهم بصلة. لم يبخل بجاهه ولا بمكانته في خدمة الناس والمحتاجين، عَرَفَهم أم لم يعرفهم، فهو -كما أعلم- من الذين اختصهم الله بقضاء حوائج الناس في كل مراحل حياته».    

كَتَبَ العديد من الكتّاب والإداريين عن كيفية استثمار العقول لروح الأنظمة في الجامعة الإسلامية والتعليم العالي فترة إدارة العقلا، بما يضمن تحقيق الرسالة العالمية التي رسمتها القيادة للجامعة في مجالات التطوير والتحديث. ومن بين هؤلاء الكُتّاب الدكتور علي بن سعيد القحطاني، الذي تناول في مقال بعنوان (سيرة أكاديمية حفلت بالعطاء والتطوير): «مدير الجامعة الإسلامية الأسبق، هو أحد أبرز القيادات الأكاديمية التي أثْرَت مسيرة الجامعة، وطَبَعتها بروح التحديث والتطوير خلال فترة إدارته، وقد عُرف العقلا بزهده وتواضعه واهتمامه بالطلاب الوافدين، وبحضوره العلمي في جامعة أم القرى… وقد شهدت الجامعة الإسلامية في عهده توسعًا مؤسسيًا وأكاديميًا شمل تحديث الخطط الدراسية وربطها بقضايا العصر، وتطوير الهياكل الإدارية واعتماد خطط استراتيجية رَفَعَت من كفاءة الأداء. كما حرص العقلا على تعزيز حضور الجامعة عالميًا عبر برامج المنح والتعاون الدولي، مستضيفًا طلابًا من أكثر من 120 دولة، مما رسَّخَ رسالة الجامعة الإسلامية بوصفها منارة علمية ذات بعد عالمي».

كما أشار القحطاني إلى جهود العقلا في البرنامج الشهري الرائد، الذي يهدف إلى تعميق التواصل والبحث العلمي، وتطوير البنية المؤسسية، بالإضافة إلى الأثر الدائم الذي تركه في الذاكرة الأكاديمية للجامعة، بقوله: «ترك العقلا إرثاً مهنياً وتعليمياً واضحاً، ما يزال حاضراً في مسيرة الجامعة الإسلامية وفي ذاكرة المجتمع العلمي الذي عَرَفَ شخصيته الهادئة ورؤيته التطويرية»، وما سبق يُعدُّ من المؤهلات اللازمة للإدارة الناجحة.

كتب الدكتور زياد الدريس عن الصفات والمنهجية التي تُشكّل شخصية إدارية متميزة، ومما قاله عن الإدارة الأخلاقية المرنة للعقلا، التي كُتب عنها الكثير، ما يلي: «هل يمتدحون علمه؟ هل يمتدحون عمله؟ هاتان خصلتان تستحقان المديح، لكنهم يمتدحون ما هو أكبر من هذا وذاك، يمتدحون أخلاقه وسماحته وتبسطه للناس، رغم علو مقامه العلمي والوظيفي. لا تراهن على شيء تكسبه في حياتك وبعد مماتك مثل: حسن الخلق».   

وَوَصف الدكتور أحمد بن محمد مصلوخ مرونة العقلا الإدارية بالحراك والتطوير المشهود الذي مَيَّز فترة إدارته للجامعة، مشيراً إلى منهجيته الإدارية التي تستحق أن تكون مدرسة، وذلك بقوله: «لا يسعني في هذه الكلمات أن أذكر فضائله، فلا يكاد أحد ممن عاصر تواجده في الجامعة إلا ويعرف قصة تظهر نبله وتواضعه، ناهيك عن الحراك العلمي والأكاديمي الذي عاشته الجامعة في عصره».

ومن مظاهر مرونته الإدارية إدراكه لأهمية التطوير، حيث استثمر أنظمة الجامعة والتعليم العالي لروح مفاهيمها ومقاصدها، ساعياً لتجديد رسالة الجامعة وتعزيز الإبداع والابتكار فيها، وهو ما يُعَدُّ عاملاً أساسياً للنجاح في المنهجية الإدارية. وقد أورد الدكتور علي بن عبدالعزيز الخُضَيري بعضاً من ذلك: «الدكتور محمد العقلا عرفناه مخلصاً متميزاً في كريم خلقه، وحسن إدارته، وبما وصلت إليه الجامعة من تجديد رسالتها الإسلامية والإبداع في أدائها وعطائها».

كتب الروائي الأستاذ عبده الأسمري شهادته حول الدور البارز للعقلا في التعليم العالي، وعمله الأكاديمي المتميز، وإنجازاته الإدارية التي تركت بصمات وآثاراً مشرقة. ومما قاله عنه: «حضور زاهي مشفوع بصناعة الفارق، في اتجاهات المعارف ومجالات المشارف بين ثنايا التعليم العالي ووسط عطايا العطاء الذاتي. قضى العقلا من عمره عقود وهو يؤسس أركان العمل الأكاديمي المميز، ويؤصل أسس القرار الجامعي المتميز، ويملأ آفاق الجامعات بوقائع الإنجاز، ويسكن أفئدة الشاهدين بحقائق المواقف، أكاديمياً ومتخصصاً ورجل دولة، وأنموذج خير سكن الذاكرة المشرقة بوقفات الإنسان، وبصمات صاحب الشأن، وترك صيته عطراً في سماء الاستذكار، وأفعاله جبراً في آفاق الاعتبار».

كانت إدارة العقلا المرنة، القائمة على التيسير والتطوير، تتجاوز عوائق العمل وتحدياته بنشاطٍ استثنائي. وقد أسهب الأستاذ الدكتور عبد الله بن حمد الغطيمل، الذي وصف إدارته بذلك، في ذكر معايير الإدارة المتميزة لهذا الإداري الناجح قائلاً: «كان بكل المقاييس رجل دولة، قيادياً متمرساً، مثالاً يُحتذى لكل مسؤول يتولى شؤون العامة، لا يُغْلَق باب مكتبه، يُدخَلُ عليه بدون مواعيد مسبقه، لا يكاد يخلو مكتبه من زملاء العمل منذ كان عميداً لكلية الشريعة في أم القرى، أو وكيلاً للجامعة، يقضى شؤون المراجعين بكل أريحية ولطف مع وجه صبوح طلق المحيا، كان نشاطه الثقافي في الجامعة غير عادي يعقد المؤتمرات والندوات، ويتولى إعداد ذلك بنفسه مع نخبة قليلة من أساتذة الجامعة».

وقدّم الغطيمل بعض الأمثلة العملية على إدارته المرنة في الجامعة، والتي ترتكز على تيسير الإجراءات لكل مستفيد، مقرونة بحبّه للعمل، وللعاملين معه، وللمستفيدين كذلك: «كان يُخصص سيارة وسائقاً لكل ضيفٍ يدعوه في المؤتمرات يكون في خدمته أيام إقامته، فسألت السائق من هو مدير الجامعة الاسلامية؟ قال: هذا ليس مديراً! هذا والد، قلت له: كل هذه محبة؟ قال: تصدق لو أرادني أشتغل أربعاً وعشرين ساعة لفعلت!». ومن الأمثلة على جانب التيسير، حرصه في احترام العاملين والأساتذة في الجامعة وحُب الخير لهم: «أنه إذا وافق المجلس العلمي على ترقية أعضاء هيئة التدريس في النصف الثاني من شهر ذي الحجة، استعجل صدور قرارهم قبل دخول شهر محرم؛ لأن النظام يسمح بمنح الترقية ولو قبل يوم من العلاوة السنوية، إضافة إلى ذلك فإن ترقية عضو هيئة التدريس لا تتجاوز شهراً ونصف الشهر من وصولها للمجلس العلمي».

وكررت الأستاذة الدكتورة أماني خلف الغامدي الحديث المتواصل عن أثر منهجية العقلا وتأثيرها الأكاديمي، التي جعلت من منهجيته الإدارية مدرسةً تنهل منها الأجيال في علم الإدارة. وقد كتبت الغامدي عن أبرز معايير العقلا الإدارية في تعامله مع مرؤوسيه ومجتمعه، ومما قالته عن سماته القيادية حسب وصفها: «سمات القائد التي جعلت كل تلك الأقلام تكتب عن خُلقه وعلمه، وتسطّر مناقبه، وقد عرفوه في أروقة الجامعتين العريقتين جامعة أم القرى وكيلاً وقبلها عميدًا للشريعة، ثم الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية رئيساً. فكم من رؤساء بقوا سنوات وخرجوا من دون أن يتركوا أثراً… كان الدكتور العقلا عادلاً في تعامله مع الناس من دون تفريق بينهم، متفانياً في عمله، على استعداد للتضحية بوقته وجهده لخدمة الناس، وكانت له يد طولى في تطوير الخدمات التي تقدمها الجامعة للطلبة، شفّافاً في تعامله مع مرؤوسيه، مسؤولاً أمامهم عن أفعاله وتصرفاته، يقدّر جهود العاملين معه، مساهماً فاعلاً في مجتمع الجامعة خاصة والمجتمع بشكل عام».

وتؤكد الغامدي على أن معيار الأثر في التطوير والتيسير هما مقياسا النجاح الإداري، حيث تقول: «ترك أثراً لن ينساه أحد. عدا أنه نقل الجامعة الإسلامية في فترة وجيزة في جميع الجوانب الإدارية والعلمية والثقافية والفكرية نقلات نوعية، وأصبح لها حضور معرفي بين الجامعات السعودية والجامعات العربية والإسلامية يليق بها».

ووصف العديد من الأساتذة والطلاب ذلك الشخص بأنه عملاق في الإدارة الحكيمة، ورمز في الأخلاق والتواضع وحسن التدبير، وهي الصفات الأساسية للمدير الناجح. لقد ترك بصمة واضحة ومآثر بارزة في الجامعة الإسلامية، وقد قال عنه الأستاذ معتصم بدير: «عملاق الإدارة الحكيمة، والأب الحنون لجميع الطلاب، وصاحب الخلق الكريم، من أفضل ما أنجبت المملكة العربية السعودية وأكرم من عَرَفْنا».

كتب الأستاذ الدكتور حسني بن أحمد مؤذن عن معايير وقيم العقلاء الإدارية ومنهجيته النموذجية التي تتجاوز الإدارة التقليدية، قائلاً: «أراد اللّٰه جل وعلا أن ينفع به الناس في مكة المكرمة، فعمل وكيلاً لجامعتها أم القرى، والمدينة المنورة فتبوأ منصب مدير الجامعة الإسلامية، ونقلها إلى مصاف الجامعات الرائدة، فعلَّم الناس: أن الإدارة لا تعني التسلط وفرض الرأي. كان عدوًا للبيروقراطية والمركزية التي يستخدمها البعض لإفراغ شحنات أزماتهم النفسية في جلب المشقة للآخرين، وأدرك أن الجامعات ما أقيمت إلا لمصلحة الطلاب ثم الأساتذة وليس العكس».

وكتب الدكتور عبدالعزيز قاسم عن صفات الإدارة المتميزة، التي تستحق أن تكون مدرسة تُناقَش للأجيال الإدارية والمسؤوليات، وتتسم بالممارسة الذاتية المباشرة لكثيرٍ من الأعمال، والتحلي بمعايير الإدارة المُثلى وقِيَمِها: «يذكر له القاصي والدّاني كيف أحال الجامعةَ الإسلامية إلى ورشةِ عملٍ ثقافيّةٍ دؤوبة، وكيف كان يجيب على هاتفهِ الشّخصيِّ بنفسه، في زمنٍ يضع فيه صغار المديرين جيشًا عرمرماً من السكرتاريّةِ بينهم وبين حاجاتِ النّاس».    

أكَّدت الأستاذة الدكتورة حنان سرحان عواد النمري على صفات القيادة الإدارية العادلة والمتميزة، التي تقوم على تيسير حقوق العاملين، سواءً كانوا إداريين أو أكاديميين. واستشهدت بقصص واقعية تجسد الإنصاف والعدل في إدارة العقلا، من خلال إعطاء الحقوق لأصحابها، مما يسلط الضوء على منهجية الإدارة وصفات القائد الإداري المثالية، بقولها: «لقد خسرنا أمةً في رجلٍ، رجلٌ يحمل أسمى المعاني وأجملها: عالماً في مجاله، وفقيهاً في تخصصه، وقاضياً منصفاً، ومعلماً لطلابه، ومربياً لأبنائه وطلابه، ونموذجاً للقائد العادل المنصف، وقامة أكاديمية شامخة، وراعياً لأهل العلم، وعوناً لكل من قصده. جمع -رحمه الله- بين العلم والفقه والقيادة مع التواضع ولين الجانب والحكمة والإنصاف والكرم». 

يؤكد الدكتور غازي غزاي العارضي ما سطره الآخرون عن منهجية العقلا وإدارته المتميزة والمرنة الاستثنائية، موضحاً صفات المدير الناجح؛ الذي يتسم بالبعد عن البيروقراطية الإدارية والالتزام الأخلاقي بمبادئ الأخوة تجاه الأساتذة والعاملين، ومبادئ الأبوة تجاه الطلاب، قائلاً: «لم يكن مديراً للجامعة فحسب، بقدر ما كان رجل علمٍ وأدبٍ وإدارةٍ ودعوة، يتسم باللباقة والنشاط بعيداً عن البيروقراطية الإدارية القاتلة. فضلاً عن كونه أباً حنوناً لجميع الطلاب، وأخاً وصديقاً لجميع الأساتذة والإداريين، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم».

ويُكرر العارضي ما نقله عن غيره، بأن العقلا كان مديراً أبوياً تجاوز عوائق بعض النظم الإدارية وتحدياتها، والدليل هو تميز الجامعة بالنشاط والحيوية على المستويين المحلي والعالمي، ليفتح منهج العقلا الإداري باب الحوار والنقاش حول مفاهيم هذه الإدارة، حيث يقول: «وبدون مبالغة، فقد كانت الجامعة الإسلامية تحت إدارته أنشط الجامعات السعودية في الحراك الثقافي والفكري والدعوي، كما تسنَّمت تحت ريادته ـبامتياز، موقع أكثر الجامعات الإسلامية في العالم تواصلاً دعوياً وثقافياً وفكرياً».

وصف الأستاذ الدكتور زايد بن عجير الحارثي مقومات هذه الإدارة المتميزة للعقلا، بأنها تتسم بالمرونة القائمة على التيسير مع العاملين والمستفيدين، بقوله: «كان رجلَ دولةٍ وإنسانيةٍ من الطراز الأول؛ اتسم بخصالٍ وأعمالٍ نادرةٍ ومشرّفة تجاوزت محيطه ومحيط من يمتّ لهم بصلة. لم يبخل بجاهه ولا بمكانته في خدمة الناس والمحتاجين، عرفهم أم لم يعرفهم، فهو -كما أعلم- من الذين اختصهم الله بقضاء حوائج الناس في كل مراحل حياته… وأينما حلّ أبو طارق وأُسند إليه منصبٌ أو عملٌ أو لجنةٌ أو استشارة، فقد أبدع وأخلص وتفانى وبذل، فكسب محبة كل من عمل وتعامل معه؛ فأينما حلّ نَفَع»، وهذه هي القيم والصفات التي تُعدُّ من أبرز مقومات الإدارة الناجحة.

وأشار الأستاذ عبدالمحسن البدراني، في معرض حديثه عن معايير النجاح الإداري التي وضعها العقلا، إلى أهمية رسالة التيسير في الإدارة، وشدد كذلك على ضرورة بناء فريق عمل متكامل داخل الكيان الواحد لتحقيق الأهداف المنشودة: «اهتم بالطالب قبل المبنى، وبالأستاذ قبل المنصب، وكان يرى أن الجامعة رسالةً قبل أن تكون إدارة. فَتَحَ أبوابه للجميع، واسْتَمَع لمطالب منسوبيها، وقَرَّبَ المسافات بين القيادات والأكاديميين والطلاب، حتى شعر كل من يعمل معه أنه جزء من مشروع كبير، لا مجرد رقم في منظومة تعليمية».

لخَّص الدكتور عبدالعزيز العروي إدارة العقلا للجامعة، بأنها قيادةً واعية، أدركت أن النهضة الأكاديمية تبدأ من تأسيس بيئة تعليمية متكاملة. حينما جمع بين الرؤية الإدارية والرسالة العلمية، فصنع تحولاً مؤسسياً مستداماً ما زالت الجامعة تجني ثماره، وهذا الأثر هو ما يمكن أن يُوصف بالمدرسة الإدارية المثالية، ومما قال: «لم يكن العقلا مديراً إدارياً فحسب، بل كان قائداً يحمل رؤية واضحة: أن تتحول الجامعة الإسلامية إلى مؤسسة حديثة، تتوافق مع تطلعات الوطن، وتنهض برسالة العلم في أبهى صورها، ولذلك حين تولّى إدارة الجامعة، لم يتجه نحو تطوير البرامج فقط، بل بدأ من الأساس الذي تقوم عليه الجامعات المتقدمة: البنية التحتية. شهدت الجامعة في عهده طفرة غير مسبوقة في حجم المشروعات ونوعية المنشآت. مبانٍ جديدة ارتفعت، وقاعات توسعت، وخدمات طلابية شُيّدت وفق معايير أكثر حداثة. لذلك جاءت مشروعات البنية التحتية منسجمة مع تطلعاته في تطوير الكليات، وتوسيع الخدمات، وتعزيز جودة الحياة داخل الحرم الجامعي. ترك وراءه سجلاً من الإنجاز، ومرحلةً ذهبية نُقشت في ذاكرة الجامعة ومدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم».

وأبرزت الأستاذة منى يوسف الغامدي أقوالاً كثيرة عن العقلا بوصفه (قائداً تحويلياً) تجاوز الإطار الأكاديمي إلى بناء مشروع ثقافي إنساني شامل. أعاد للجامعة دورها الحضاري، ووسّع فضاءها المعرفي بالحوار والانفتاح، مؤمناً بأن العلم رسالة جامعة، وأن الإدارة عطاء وإنتاج وتحديث وتجديد: «لقد كان العقلا قامة أكاديمية ووطنية ذات شأن عظيم، أفنى عمره في خدمة العلم والإنسان، ولم يكن منصبه إلا وسيلة لتحقيق رسالة أوسع، تهدف إلى أن تكون الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة منارة فكر، وملتقى ثقافة، ومساحة حوار وانفتاح. قائد تحويلي صنع نهضة ثقافية غير مسبوقة. فلم تكن سنوات قيادة الدكتور العقلا للجامعة الإسلامية سنوات عادية، بل كانت سنوات حراك معرفي حضاري، أعاد صياغة الدور الذي يمكن للجامعات أن تمارسه في المجتمع. تحت قيادته تحولت الجامعة إلى منصة فاعلة تستضيف رموز الأدب والفكر والثقافة من داخل المملكة وخارجها، فتح أبواب الجامعة الإسلامية للنساء بعد أن كانت البرامج والفعاليات مخصصة للرجال فقط، إيماناً منه بأن المعرفة لا تُقصي أحداً، وأن للمرأة دوراً أصيلاً في صناعة المجتمع ومخرجاته».

وكرّر الأستاذ محمد بن صالح البليهشي ما هو مشهور من الأقوال حول بعض إنجازات هذه الإدارة المتميزة للعقلا، والتي استثمرت أنظمة الجامعة الداخلية، وأنظمة التعليم العالي، والرسالة العالمية للوطن، خاصة في مجال العلاقات الإسلامية. وقد أورد صفات القائد الإداري الناجح، قائلاً: «وهذه الخطوة حُسبت للعقلا، حينما أَوْجَدَ خطوة رائدة من خطواته التطويرية التي حُسبت له، وكانت من بصماته المميزة، وهي فتح مجالات الدراسات العليا.. وزيَّنَت تلك الخطوات الطموحة التي تمت في عهد الرمز محمد العقلا، تواضعه الجم، وسعة صدره التي استوعبت كل الأطياف في هذه الجامعة، على مستوى الطلاب والمدرسين والإداريين وكافة منسوبي الجامعة، ولذلك زُرع حبه في نفوس الطلاب، وحملوا مزايا شخصيته وتواضعه وكريم خلقه في بلدانهم، ورُسمت صورته في نفوسهم حباً وتقديراً وإجلالاً لتلك الشخصية الإدارية المميزة، المُتوَّجَة بدعوة الخير والإصلاح والصلاح والنصح والهداية، لكل الأطياف من طلاب الجامعة الذين يمثلون العالم بأسره».

وأسهب الأستاذ الدكتور إبراهيم بن موسى السهلي في الكتابة عن مناقب العقلا وذكرياته معه في مقالٍ طويل، لكنه ركّز على الجانب الأهم من شخصيته، مُبرزاً التواتر الواسع حول مؤهلات العقلا الإدارية، مما يجعل من عمله العلمي والإداري نموذجاً حياً يُحتذى به في ظل القولبة الإدارية وعوائقها وتحدياتها، وذلك بقوله: «أما ما يتعلق بحياة أبي طارق في السلك الجامعي والإداري، فلا أظنني سأقدم عنه جديداً لأن القاصي والداني يعرف تعامل أبي طارق المتميز في إدارته؛ لأنه لم يكن يدير أي مؤسسة يتولاها إدارة جافة، بل كان يديرها بخُلُقِه الجم وحرصه المعروف على إرضاء كل من أوى إليه، وكل من جار عليه من أبناء زمانه، فيُسبِغُ عليه من مواساته المعهودة، وإنجاز ما جاء من أجله، حتى ولو كان خارج صلاحياته، يترك مكتبه ويخرج معه إلى ذلك المسئول فينهي أزمة ذلك المراجع المُحْبَط، بشفاعةٍ مصحوبة بالدعابة والنكتة من نكاته المعهودة رحمه الله».

وكتب الأستاذ الدكتور عادل بن عيد الخديدي من الجامعة الإسلامية عن المنهجية الفريدة التي اتبعها العقلا في التيسير، ويعرب الخديدي عن أمله -شأنه شأن الكثيرين ممن كتبوا عن هذه (المنهجية الإدارية المتميزة)- في أن تُدرَّس إنجازات العقلا الإدارية وأثره العلمي والإداري ضمن المناهج الأكاديمية، لا سيما للأجيال التي تتولى المناصب والقيادة والمسؤوليات، باعتبارها إحدى النجاحات الوطنية المحلية التي تنافس التجارب العالمية. ومما قاله: «أشهد بالله أنه كان رحيماً بالناس، وبخاصة طلاب المنح المغتربين، لم يكسر لهم خاطراً، وكان يوصيني بهم خيراً… رحل اليوم لا أقول لتغلق صفحة مشرقة في تاريخ رجال المملكة، بل سيسلط الضوء على شخصية إسلامية سيحفظ التاريخ اتساع أثرها، وقامة وطنية رفيعة الولاء والمحبة لقيادتها، وإنسان عَرَّفنا معنى الإنسانية، وسيبقى ذكرها لأمد بعيد بالخير والسيرة العطرة»، والأثر والتأثير من أبرز عناصر النجاح الإداري. 

وكتب الأستاذ رشيد بن عبدالرحمن الرشيد عن فن الإدارة ومعاييرها، وتناول مفهوم الإداري الناجح الذي يتمتع بالقدرة على مواجهة العوائق والتحديات داخل المنظمة الإدارية. وخلال حديثه عن إدارة العقلا في الجامعة الإسلامية، قال: «إن فن الإدارة وفن التعامل مع من حولك يساعدك أن تصنع مفتاحاً للقلوب، وتعرف شفرة كل من تُشرف عليه إدارياً. والإداري الناجح من يصنع سعادة في المكان الذي يقع فيه، ويزرع الورود من حوله، ويحاول أن يقاوم الصعاب بالشورى والمجموعة معه، وأن ينشر المحبة حتى يقطف ثمارها وإنتاجها، ولنا في العقلا مثالاً ونموذجاً مُشرِّفاً لأبناء الوطن».

كرر الأستاذ شاكر شريف ما ذكره كتاب آخرون عن تميز شخصية العقلا الإدارية، حيث أوضح ذلك بمقارنة مع نظرية جيم كولينز في الإدارة، وتحديدًا الصفات والقيم التي ذكرها للقائد الناجح في بحثه الشهير عن الشركات التي انتقلت من مرحلة “جيدة” إلى “عظيمة”. وقد تًوصَّل كولينز إلى أن العامل المشترك والحاسم في هذه الشركات كان وجود نوع خاص من القادة، الذين تتسم شخصيتهم بجوهر يجمع بين التواضع الشخصي العميق والإرادة المهنية الصلبة. هذا يعني أن التواضع ليس مجرد صفة إضافية، بل هو شرط أساسي لتشكيل نموذج القيادة الأكثر تأثيراً على المدى الطويل، وهو ما تؤكده الأبحاث الحديثة. كما أشار إلى أن هناك ثلاثة نواتج تحدد جوهر أي كيان أو مؤسسة أو شركة عظيمة: تحقيق نتائج متفوقة، وترك تأثير مميز، والمحافظة على صبر دائم.

استحقاق ووفاء:

تتواتر الشهادات عن تطوير العقلا للجامعة وفتح آفاق رسالتها، وهو ما يستحق الوفاء لهذه الشخصية الإدارية، ومن ذلك ما كتبه الأمير فيصل بن عبدالله بن محمد آل سعود: «عرفته شريكاً في هموم العلم والتعلم؛ جمعنا ميدان التعليم؛ إذ كان -يرحمه الله- رئيساً للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، بينما كنت أعمل في وزارة التربية والتعليم. كانت المعرفة قاسمنا المشترك، وكانت الدعوة الكريمة من الصديق والمسؤول الذي طور وفتح آفاقا جديدة في جامعة جمعت ممثلي أمتنا الإسلامية طلاباً، ثم خريجين قياديي مستقبل الأمة».

ويُضيف الأمير فيصل بمقاله الطويل عن جانبٍ من جوانب مآثره في الجامعة، حيث عمل على تنشيط رسالتها العالمية، وإحياء برامج العلم والمعرفة في الربط بين الماضي الحضاري لتاريخ الأمة الإسلامية وحاضرها، وهو ما يستحق الإشادة والكتابة والذكر الحسن، وعن هذا كتب: «كانت الدعوة شرفاً لي كمسؤول في وزارة التربية والتعليم، وضمن مجموعة (الأغر) للفكر الإستراتيجي في ذي القعدة 1430هـ لرعاية معرضٍ للاختراعات الإسلامية بعنوان (رحلة إلى الماضي لبناء المستقبل) الذي نظمته مجموعة الأغر بالتعاون مع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ومعرض (1001: ألف اختراع واختراع) لتسليط الضوء على الإسهامات العلميّة الإسلامية، التي أسهمت في تطوير العلوم والمعرفة على مدى سبعة قرون. وقد هدف المعرض إلى التوعية بالتراث الإسلامي، وإنجازات واختراعات العلماء المسلمين من القرن السابع حتى السابع عشر الميلادي، وبث روح الابتكار لدى الشباب، وحثهم على العمل الجاد واستلهام العبر من التاريخ الإسلامي وعلمائه من أجل نهضة الأمة الإسلامية وتقدمها. كما سعى إلى ترسيخ مبدأ الإبداع العلمي والتقني بوصفه وسيلة إيجابية لبناء المجتمع المعرفي، مقدماً معلومات وافية عن ابتكارات علماء مسلمين في الطب والعلوم والحساب والفلك وعلوم الطيران». 

وكرر الكتابة عنه بوفاءٍ الدكتور عبدالغني بن ناجي القش قائلاً عن أهمية تخليد ذكراه والعمل بالاستحقاق المناسب: «كنت أتمنى تخليد ذكرى الراحل وبخاصة من قبل الجامعة الإسلامية، التي لا يمكن لها نسيانه وأعماله الجليلة فيها، على مدى التاريخ فهي راسخة رسوخ الجبال الشم، وقد أنصفه التاريخ والمنصفون، ولا يضره من أنكر فضله».

وكتب عنه العميد سعد بن عبدالله العكوز مدير التوعية والتوجيه بشرطة منطقة مكة المكرمة سابقاً، وذلك بما يجمع عن مآثره ومدرسته الإدارية، وحقه على الجامعة وغيرها باستحقاق يستوجب تخليد ذكراه: «معالي الدكتور محمد العقلا ظاهرة فريدة في مسيرة الجامعة ليس كغيره من الرؤساء، أخرجها من تقوقعها وجمودها لتصبح شيء آخر، فأنشأ الكليات العلمية والنظرية، وأشعل الحراك الثقافي والرياضي والاجتماعي، أضف لذلك نزوله لطلاب الجامعة ومشاركتهم في أفراحهم وأتراحهم، وتفقد أحوالهم وتذليل مصاعبهم، محمد العقلا شيء آخر فريد في قادة الجامعة، ولا ينكر هذا الا جاهل او حاقد او حاسد، بل يجب أن يسطر أسمه وتجعل القاعة الرئيسية باسمه، وتتولى الجامعة عمل كتاب عنه، وتُعمل عنه محاضرة عامة يُدعى لها العلماء والمفكرين والمثقفين، وفاءً لهذه القامة المجتمعية الاخلاقية، والناس شُهداء الله في خلقه».

وممن كتب وأطال في الحديث عن مآثره وأثره الباقي وصفاته الإدارية التي جعلت من شخصيته مدرسةً إدارية متميزة تستحق الوفاء بكل استحقاقاته على مجتمعه ووطنه، الدكتور علي بن فايز الجحني وكيل جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية سابقاً: «أينما حل أبو طارق، وأُسندت إليه مهمة أو منصب أو عُهد إليه بعمل أو لجنة، أو استشارة، أبدع وأخلص وتفاني وبذل، فكسب محبة كل من عمل معه. كان حضوره نفعاً، وأثره خيراً، وسيرته شهادة ناطقة وما تمتع به فقيدنا من صفات وأعمال يغبطه عليها كثيرون، وقَلَّ أن تجتمع في رجل واحد. كان التواضع مفتاح شخصيته، وجسر تواصله مع الجميع. ولم أعمل تحت إدارته، ولم أكن من منسوبي الجامعة الإسلامية، غير أني شهدت عن قرب إنسانية القائد، وسمو الخلق، وحكمة الإدارة التي تبدأ بالإنسان وتنتهي به، فكان مثالاً للقائد الذي يُحِبُّ فيُحَب، ويُخلص فيُخَلَّد. وقد سمعت ممن عملوا معه ما يصدق فيه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أنتم شهداء الله في الأرض)، وما ذاك إلا لأن الله إذا أحب عبداً ألقى محبته في قلوب خلقه».

ويضيف الجحني عن الاستحقاق الواجب تجاه هذه الشخصية الإدارية المتميزة، والتي كان لها أثر كبير وتأثير أكبر في مسيرة عمله الإداري بالجامعتين، قائلاً: «يبقى الأمل أن تلتفت الجامعتان الجامعة الإسلامية وجامعة أم القرى، اللتان أفنى عمره في رحابهما، إلى تخليد اسمه بما يليق به من خلال تسمية إحدى قاعاتهما باسمه، إضافة إلى التنسيق مع الجهات البلدية المختصة لتسمية أحد شوارع مكة المكرمة أو المدينة المنورة باسمه، أو أي صيغة أخرى تحفظ أثره، فهو اسم اقترن بالعلم والإدارة، والأخلاق، وشخصية لا تنسى».

وكتب عنه الأستاذ عبدالمحسن البدراني مكرراً عن الوفاء والاستحقاق، وذلك بعنوان (حين يغيب النعي.. يغيب الوفاء)، مما يزيد من حالات التواتر عن مآثر العقلا، وعن مدرسته الإدارية، وذلك بقوله: «الدكتور العقلا لم يكن اسماً عابراً في تاريخ الجامعة، بل كان أحد رؤوس تطويرها وقائد مرحلة مفصلية في بنيتها الإدارية والإنسانية. ترك بصمةً واضحة في الأداء. وفي العلاقة مع منسوبيها. وفي صورة الجامعة داخل المجتمع وخارجه. ومن مثل هذا الرجل لا يختصر حضوره في الذاكرة، ولا يترك رحيله بلا كلمة وفاء».

كما تكرر الحديث عن الوفاء والاستحقاق للعقلا، ومن ذلك ما كتبه الأستاذ عبدالله الجميلي عنه بعنوان: (السر بين جامعة القُمُر والجامعة الإسلامية! ضمير متكلم)، قائلاًَ عن شيء من ملامح مدرسته المتميزة: «أمَّا الجامعة الإسلاميَّة، التي يشهد ويبصم الواقعُ الملموسُ بأنَّ معاليه -غفر الله له- هُو قائد تطويرها في عصرها الحديث، في مختلف الجوانب، والمسارات الإنشائيَّة والأكاديميَّة والثقافيَّة؛ حتَّى أصبح الرَّمز الأهم في تاريخها، يُضاف لذلك أنه -رحمه الله- هو مَن زرع في شرايينها ونفوس منسوبيها (أعضاء هيئة تدريس وموظَّفين وطلاب) الإنسانيَّة، والحرص على خدمتهم، والبحث عن حقوقهم؛ فبادلُوه جميعًا حبًّا بحبٍّ، ولذا كان خبر رحيله بالنسبة لهم صدمةً كُبْرى، نزفت منها ولها قلوبهم حزنًا وألمًا». 

للشعر بصمةٌ في الإدارة:

 لقد أدرك طلاب الجامعة ومنسوبوها أن الدكتور العقلا يمثل مدرسة إدارية متميزة، منهجيتها عبَّر عنها العشرات، ووثَّقها المئات من شهود تلك المرحلة. لقد كان في عمله الوظيفي ملتزماً بدينه وقيمه؛ فهو الإنسان قبل أن يكون مديراً، وهو الأب الناصح لطلابه قبل أن يكون رئيساً، والأخ لزملائه قبل أن يكون مجرد زميل. وقد تواترت الأقوال والأشعار حول (مدرسة العقلا الإدارية) نثراً وشعراً من الجميع، بل إن الشعر نفسه احتوى تعبيرات إدارية تُثني على أثره الفاعل ومخرجاته المشهودة محلياً وخارجياً. وهي منهجية أو مدرسة تتسم بالشجاعة والمرونة، ومن ذلك ما ورد في قصيدة طويلة لأحد طلاب الجامعة، الأستاذ محمد أبوبكر صو، حيث قال:

قضَى وخلَّفَ ذِكْرًا بعدَهُ عَـطِـرًا      
      تَناوَلَـتْهُ عَـناوينٌ لِـكُـتَّـاب
مُمَـيَّزًا في السَّجايا كانَ (مدرَسَةً)     
مِنها تخرَّجَ طُلَّابٌ بآداب

كما أبدع الدكتور محمد بن يحيى غيلان قصيدة طويلة أثنت على هذه الإدارة والمدرسة، ومن أبرز ما ورد فيها حول التميز الإداري قوله:

ورَقَى إلى العلياءِ في أُمِّ القُرى      
      وأَتَي بِفعلٍ في الإدارةِ يُعْجِبُ
كان الوكيلَ وبَعدُ صارَ عَمِيدَهُمْ    
ومَضَى إلى العَمَلِ السليمِ يُرَتِّبُ
واخْتارَهُ الْمَولَى وبَعْدُ عبادُهُ        
      مِنْ كُلِّ شَهمٍ لِلرِّيَادةِ يُنْسَبُ
وَوُلَاةُ أمْرٍ يَعْرِفُونَ مَنِ الَّذِي      
      يَأْتِي بِواجِبِ ما يُرَادُ ويُنجِبُ
قدْ فُقْتَ في (فَنِّ الإدارةِ) ثُلَّةً       
مِمَنْ تَقَدَّمَ بِالعُلُومِ تَهَذَّبُوا
والناسُ في الدنْيا شُهُودٌ أنَّكُمْ     
      قَدَّمتمُ خيراً كثيراً يُحْسَبُ
ولِسَانُ رُوَّادِ العُلُومِ بطيبةٍ      
      يُثْنُونَ والطَّلابُ كلٌ مُعْجَبُ
تَتَحَدَّثُ الأَخبارُ عَنك بِغِبْطَةٍ    
في ضَبْطِ حَزْمٍ لِلْإدَارَةِ يُكْتَبُ

إن هذه الشهادات والكتابات تعكس بوضوح منهجاً إدارياً متميزاً، ينبغي نشره وتسويقه بشكل أفضل لخبراء الإدارة لإثراء النقاش حوله. إنها تمثل بصمات ومواقف تُشكِّل مؤلفات، ومنهج قيادة، وتجارب تُحتذى. وقد لخص الدكتور رياض الفريجي ذلك بقوله: «ما يميز تجربته ليس المناصب، وإنما طريقة التصرّف حين لا يكون أحد يشاهد. تتخطى كونها قصة رجل واحد، إلى أن تكون منهجًا في القيادة يمكن لأي مسؤول أو مدير أو صاحب قرار أن يتعلم منه اليوم، هنا والآن»، وقد قدّم الفريجي بالأمثلة تصورًا للمدرسة الإدارية المثلى للأجيال، تلك التي أحدثت أثراً كبيراً في حياة طلاب وموظفين وأكاديميين من أكثر من 170 جنسية.

وفي ختام هذه النقولات المتتابعة عن العقلا ومنهجيته في الإدارة، أشاد الأستاذ أحمد السالم بكتابات بعض الأكاديميين الذين تناولوا تجربته الإدارية، مُثَمِّناً مآثر العقلا، ومُشيداً بعطائه ومحطاته العلمية، التي أسهمت في تجاوز الجامعة الإسلامية للحدود المحلية لتصل إلى عدة بلدان عربية وإسلامية، حيث كان الدكتور العقلا الوجه المُشرِّف للمملكة في هذه المسيرة.

ولهذا فإن شخصية العقلا ومنهجيته في الإدارة، تؤكد على أهمية تضافر جهود أبنائه وعائلته ومحبيه لإصدار كتاب توثيقي، يتناول هذه الشخصية الإدارية المتميزة، ويركز على صفاتها ومعاييرها، مستندًا إلى النجاحات الإدارية المتكررة لهذه التجربة في قضايا الشأن العام. هذه النجاحات تجاوزت تحديات وعوائق الإدارة الحديثة الكثيرة والمتنوعة بشهادة الشهود، وأبرزها ما تحقق من تنظيم وتطوير وتيسير في الجامعة الإسلامية، وهو ما يمكن أن يُعمم على أي مؤسسة أو كيان إداري آخر، وذلك من خلال الإدارة المرنة الناجحة والمدير المتحرر من أشكال البيروقراطية.

بناءً على ما سبق، فهل ستشكّل هذه المنهجية الإدارية، بمعاييرها وقِيَمِها الفريدة، أنموذجاً تَستَلهِمُ منه الأجيال الصاعدة في مواقع الريادة والمسؤوليات الإدارية؟

رحم الله الفقيد، وجعل ما قدمه من أعمال علمية وإدارية في موازين حسناته، صدقة جارية ووقفاً إلى يوم الدين. والله ولي التوفيق.  

د. محمد بن عبدالله السلومي
باحث في التاريخ ودراسات العمل الخيري والقطاع الثالث
[email protected]

 

لا توجد تعليقات

بريدك الالكتروني لن يتم نشره


الاشتراك في

القائمة البريدية

اكتب بريدك الالكتروني واضغط اشتراك ليصلك كل جديد المركز

تصميم وتطوير SM4IT