Skip to main content

من رموز الخير والعطاء في الرس والمدينة: محمد بن صالح الزِّيِدِي رجل الشفاعات

 من فضل الله ولطفه ومحبته لعباده، أن يصطفي فئاماً منهم، ثم يستعملهم في نفع عموم الخلق بأنواع النفع. ومن حكمة الله ورحمته بالعباد أن جعل عامة الناس، بل فقراءَهم في أحيان كثيرة شركاء للأغنياء وأهل الدُّثور بالأجر والثواب في العطاء والإحسان، بل ويستوي هؤلاء وأولئك في أجور ومنافع البذل في المال والوقت والعلم والشفاعة والجاه، كما ورد في صحيح مسلم عن المصطفى صلى الله عليه وسلم: (مَن دعا إلى هُدًى كان له مِن الأجرِ مِثْلُ أجورِ مَن تبِعهُ لا ينقُصُ ذلك مِن أجورِهم شيئًا) [صحيح مسلم: 2674].      

إن حمل هموم الأمة ومواساة كل محتاج والشفاعة له، أمران متلازمان لدى كثير من أهل الصلاح، وهما السبيل لتحقيق خيرية المسلم في مجتمعه وأمته. وأحسب -والله حسيبه- أن الأخ الشيخ محمد بن صالح الزيدي (1372-1447هـ)، الصديق العزيز في دروب العلم والمعرفة، وفي حب الخير للغير، والاهتمام بشؤون الأمة، ممن يُعدُّ من هؤلاء المعنيين بهذا الحديث النبوي، فهو من رموز الدعوة والعلم والعطاء الخيري في محافظة الرس وفي المدينة النبوية، وهو من محبي الهداية والخير والشفاعات لسائر الناس، بل هو ممن يُتْعِبُ نفسَه، وربما يُتْعِبُ غيره من أهل المال واليسر والجاه والإدارة، لتتحقق للجميع شراكة الخيرية في جوانب العطاء والإحسان وتفريج الكُرُب وصنائع المعروف لكل الناس. وقد صنع لنفسه بهذه القِيَم والمناقب مشروع عمره الذي أفنى له معظم وقته، وسخَّر فيه كل طاقاته وقدراته لخدمته، ولهذا فهو ممن ينشدُون أن يكون لهم ولإخوانهم في كل سهم من أسهم الخير نصيب، حيث الخيرية في الاستماع والاتِّباع، وهؤلاء هم من ينالون بشرى الله وهدايته، حينما قال عنهم سبحانه وتعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:17-18].

فما هي ملامح الحياة العملية لأبي صالح الزِّيِدِي؟ وما هي الجوانب التي يمكن الاقتداء بها في أقوال شهداء الله في أرضه، فيما يخص هذا العَلَم العلمي والخيري والدعوي؟ وأخيرًا، ما هي بطاقته الشخصية؟

لقد تفرغ أبو صالح للعلم، وإعانة المحتاجين من طلبة العلم وطلاب الجامعة الإسلامية، وسائر ذوي الحاجات المُلحة، بمعونات متواضعة مباركة، يصدق فيها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنطوقه ومفهومه (سبقَ دِرهمٌ مائةَ ألفِ درهمٍ، قالوا: وَكَيفَ؟ قالَ: كانَ لرجلٍ درهمانِ تصدَّقَ بأحدِهِما وانطلقَ رجلٌ إلى عُرضِ مالِهِ، فأخذَ منهُ مائةَ ألفِ درهمٍ فتصدَّقَ بِها) [صحيح النسائي: 2527]، وهذا مما يدعو كل مسلم، بغض النظر عن موارده المالية، إلى العمل بهذا الحديث العظيم الذي رفع من شأن عطاء أصحاب الدخول المحدودة والمتواضعة، فجعلهم في مصاف الأغنياء والمُعطِين، إن لم يكن أجرهم وثوابهم أعظم.

كتب الدكتور مصطفى بكري السيد -رحمه الله- مقالاً عن أبي صالح واهتماماته، كشف فيه ملامح من شخصيته ومحطات من حياته، وتطرق أيضاً إلى جلسائه واهتماماتهم، وإلى القهوة (الديوانية) التي كان يرتادها أبو صالح كثيراً في قرية الشنانة بالرس، والتي كانت مملوكة لأحد شيوخه. ووصف المقال تلك القهوة بأنها: “أشبه بالمصحَّات النفسية والمَطْهر الروحي”. ولارتياد أبي صالح لهذه القهوة كثيراً، جاء عنوان المقال بكنيته (قهوة أبي صالح)، وكانت هذه المُلازَمة لمجلس هذه القهوة من محبة أبي صالح للعلم والدعوة، وشغفه بأعمال الخير ومجالسة طلبة العلم والعلماء، وقد ورد هذا الوصف من خلال هذا المقال المنشور السابق ذكره، وهو الصادر عام 1408هـ، وفي المقال الذي يصف المكان وروَّاده وشيئاً من الواقع ومنهم أبو صالح، ورد ما يكشف اهتمام أبي صالح وجلسائه حول الواقع الاستهلاكي للمجتمعات ومخاطره: «لقد بات الإنسان عبداً للمعارض على اختلاف أنواعها، معارض السيارات ومعارض الأثاث والأطعمة الدسمة، والثياب المتأنقة،… الخ، ولكن متابعة الجديد في هذه الميادين لم تشبع الشهوات التي تستبد بالنفوس. بالله عليكم يا جماعة الخير -تابع أبو صالح حديثه وهو يجمع بين الحديث ومناولة الضيوف فناجين القهوة- أليس هذا السعار الدنيوي الاستهلاكي خطراً على دنيانا قبل آخرتنا؟ وعلى رجولتنا قبل قلوبنا؟ إنه تدمير لحصون المناعة في النفوس، وغذاء للاسترخاء والتراخي، بل إنه عبادة للدنيا». [قهوة أبي صالح – موقع مداد]

محطات مضيئة:

تميزت حياة أبي صالح اليومية بأنها بعمومها محطات ومراحل مضيئة للغير، فهو شمعة تحترق وتتعب من أجل الآخرين، بقضاء حوائجهم وإسعادهم والشفاعة للمحتاج منهم في جميع مراحل حياته، والتي من أبرزها: محطة دراسته في المعهد العلمي، من خلال جهوده في الجمعية الثقافية وأعضائها وروادها وطلابها بأنشطتها المتعددة المتنوعة، وقد صحب هذه المحطة محطة ثانية، حيث كان تأسيس المكتبة العلمية بالرس، ثم كانت دراسته الجامعية بالمدينة محطة ثالثة وما صحبها من المعايشة العلمية والدعوية للطلاب والعمل على سد احتياجاتهم.

وكانت المحطة الرابعة وكالة معاهد الجامعة الإسلامية (المتوسط والثانوي) وما صحبها من أجواء الإحسان والمعايشة الفعلية لمتطلبات طلاب الجامعة، وله محطة خامسة تمثلت بإدارة الشؤون الدينية في قطاع الأمن العام بالمدينة النبوية وما فيها من تنظيم جداول التوعية والمحاضرات والندوات على مدى عشر سنوات تقريباً، كما كانت له محطة سادسة تمثلت بالعناية بأبناء الجاليات الأفريقية بالمدينة، من خلال المدارس الخيرية التي نشأت لاحتواء وتعليم هذه الجاليات، ويجمع بين هذه المحطات العلمية والعملية مبادرات الشفاعة لكل محتاج لها.

وبشيء من التفصيل عن أبرز هذه المراحل والمحطات، أسَّس أبو صالح مع بعض زملائه (مكتبة الرس العلمية) عام 1392هـ، وقد كان العضو البارز في تأسيسها وبرامجها، وشارك في انطلاقتها ومحاضراتها وندواتها وأنشطتها وهو لا يزال طالباً في معهد الرس، وقد قَدَّمت هذه المكتبة كثيراً من الأنشطة الثقافية والمعرفية والدعوية آنذاك، واستوعبت الشباب والشيوخ، ومن مقتضيات هذا النشاط الثقافي أن يتصدره من عُرف بالنشاط والعمل والعقل والحكمة، والنجاح في العلاقات العامة، فكان أبو صالح من أبرز القائمين بهذه الأدوار التي تعكس إحدى محطات حياته المضيئة، فقد أسهم برجاحة عقله وحكمته مع بعض زملائه وأصدقائه في إنجاح المكتبة وعطائها، حينما كان عضواً فاعلاً في فعالياتها، وقد كان يرأس مجلس إدارتها قاضي محكمة الرس الشيخ محمد الصغيِّر -رحمه الله-، ومما شهد به معاصروه انتفاع المجتمع الرسي على مستوى المحاضرات والندوات والفعاليات الثقافية آنذاك.  

وفي (محطة الجامعة والمدينة) أصبح أبو صالح كذلك من أعلام الدعوة فيها، وذلك حينما كان طالباً، وفي معاهدها إدارياً ومعلماً ومربياً وداعياً إلى الله، محسناً بمعظم صور الإحسان لطلاب غرباء قدموا إلى هذه البلاد الطاهرة المباركة، واختاروها للنهل من أنهار العلم والمعرفة، وفي الغالب أنهم من ذوي الحاجات بعوائلهم، وكان أبو صالح من الروافد النفسية والتربوية والدعوية لهؤلاء الطلاب، وذلك بالعمل والشفاعات على تيسير ما تعسَّر عليهم من أمور الحياة في الجامعة وخارجها، متابعاً معاملاتهم وقضاياهم في الدوائر الرسمية، وساعياً وواقفاً على أبواب المحسنين من زملائه وأصدقائه وأقربائه وذويه ليحصل منهم على القليل مع القليل، نيابة عن طلابه في السؤال والمسألة، ابتغاءَ مرضاة الله، وعملاً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (مَن كانَ في حاجَةِ أخِيهِ كانَ اللَّهُ في حاجَتِهِ، ومَن فَرَّجَ عن مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عنْه بها كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيامَةِ). [صحيح البخاري: 2442].  

وعن هذه المحطة في (المدينة النبوية) التي كانت حافلةً بعطائه الخيري، أضاف أبو أنس محمد الغفيلي ما يوضح عن مناقبه وجهوده فيها كذلك بقوله: «رحل إلى المدينة مواصلاً طريقه في الدعوة لا يمل ولا يكل، وتولى فيها مسؤول التوعية في الأمن العام، فكان له الأثر البين في الإصلاح في هذا القطاع، ناهيك عن طريقه الطويل في خدمة الفقراء والمساكين في المدينة النبوية والبذل في مواساتهم بكل السبل التي يملكها، وشعوره الدائم برحمتهم والإحساس بحالهم. كان قريباً من القلوب، مَن عَرَفَه أحبه، قد أنزل الله له القبول في الأرض ولا أزكيه على الله، كان حريصاً على صلة إخوانه والناس عامة في مرضه الأخير لم يستسلم». 

ولقد كان أبو صالح في إحدى محطات حياته الفاعلة، من أبرز السباقين والمبادرين في تأسيس (مدارس أبناء الجاليات الأفريقية والتشادية) وتعليمهم ودعمهم بشكلٍ خاص بالمدينة النبوية، مع ثُلة من محبي العلم والتعليم، ومحبي الخير ونفع المجتمع بالإحسان، وذلك بمدارس خيرية تُحقق الأمن الاجتماعي والفكري لهذه الجاليات ولمجتمع المدينة، كما هو حال مدارس الجالية البرماوية بمكة المكرمة، وهو ما مَيَّز أهل الخير في بلد الخير والإحسان بمبادراتهم التي تُوِّجت معظمها بأعمالٍ مؤسسية ومدارس رسمية، لا حَرَم الله الجميع من المبادرين والمسؤولين أجر هذه المبادرات الخيرية المباركة التي سَنَّت هذه السُّنة الحسنة، حيث أسهمت كثيراً في غرس الحصانة الفكرية للمهاجرين وأبنائهم ولطلاب الجامعة الإسلامية وعائلاتهم.  

الشفاعات في شخصيته:

تُعدُّ جهوده في الشفاعات هي القاسم المشترك من الصفات لدى العارفين به، بل إن كل من كَتَبَ عن أبي صالح نثراً أو شعراً قد أورد عن شفاعاته الحسنة. وصفة الشفاعة تتطلب الشجاعة مع الذات ومع الغير، وقد حث الله عليها في محكم كتابه ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا…﴾ [النساء:85].

وقد ورد عن الشفاعة ونفع الآخرين الحديث الذي صححه الألباني (أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ، تَكشِفُ عنه كُربةً، أو تقضِي عنه دَيْنًا، أو تَطرُدُ عنه جوعًا، ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ؛ أَحَبُّ إليَّ من أن اعتكِفَ في هذا المسجدِ، يعني مسجدَ المدينةِ شهرًا) [المعجم الأوسط للطبراني: 6026]. وكذلك حديث مسلم في الدلالة على الخير (من دلَّ على خيرٍ فله مثلُ أجرِ فاعلِه) [صحيح مسلم: 1893]. وقوله صلى الله عليه وسلم عن أهمية الشفاعة (اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا) [صحيح البخاري: 1432].

كتب العديد من الرموز العلمية والدعوية، وزملاء الجامعة السابقون، عن أبي صالح بأنه “رجل الشفاعات“. ومن الملاحظ أن أبرز الكتابات التي تناولت سيرته ومسيرته الخيرية تتفق جميعها على صفة مشتركة وميزة نادرة تميز بها أبو صالح، وهي كونه: (رجل الشفاعات لكل محتاج). فلا يكاد يمضي يوم في حياته دون أن يشفع لمُحتاج، أو يحمل هموم ضعيف أو مسكين في طيبة الطيبة.

وحول صفاته وأخلاقه وقِيَمه، خاصةً صفة الشفاعات -تلك القيمة المُثلى التي تعكس روح الحب والتسامح والإيثار وعطاء الخير للغير- كَتَبَ عنه الشيخ علي طه: «أبو صالح رجل فذ في أخلاقه، في تكوينه، في تديُّنه، في شجاعته، في كرمه، في أُخوَّته، وفي مشاعره ومحبته ولطفه وفضله وإحسانه. صراحةً لا أبالغ إن قلت لك، هذا الرجل يندر ويعز أن يجود زماننا بأمثاله، ولا تخلو أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لكن هذه النماذج قليلة، لقد بذل وقته وجاهه وماله وبيته وصحته لإخوانه، لا سيما طلاب العلم الشرعي في المدينة النبوية من الوافدين بصورةٍ خاصة. لا يترك سبيلاً لنفعهم إلا ويبذُله، بالمال وبالشفاعة، وبالوقت وبالاستقبال، وبالضيافة وبالإكرام، وبالإعانة للآخرين في المدينة وخارجها في بلادهم، سبحان الذي خلقه فقدَّره وأعطاه هذه القدرة على التحمل والصبر، بل بسرور وشجاعة، فهو السعيد في تقديم الخدمة لإخوانه. أحياناً قد تطلب شيئاً منه وتنساه أنت، وتظن أن الأمر قد فات، لكنه هو يذكرك به! وهو يتابعك عليه! والحاجة لك وليست له! سبحان من خَلَقْ، سبحان الذي خلقه».

كما كتب الشيخ عبدالمحسن القاضي عن بعض صفاته، موضِّحاً أن صفة الشفاعة لديه تتلازم مع شخصيته، ومما قال: «ومهما كتبنا لن تستطيع كلمات قليلة وأسطر مختصرة أن تفي هذا العَلَم حقّه، مما خلّده في ذاكرتنا من علم وخُلُق لن ننساه عنه رحمه الله وأسكنه الجنة، أبو صالح الزيدي غزير الدمعة قريبها، شجيّ النفس ينشر حوله أثرها، لا أظنه اعتذر من شفاعة حسنة لأحد من فقراء المدينة وطلاب العلم فيها، حتى عَلِمَ بنجاحها».

وحول صفة الشفاعة الحسنة لديه لكل محتاج، كتب الدكتور عبدالله زين العابدين أحد خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ومما قال عنه في كلمته الطويلة: «لم تَدَعْ لأحد نال شرف معرفتك إلا أن يستفيد منك خيراً، سواء كان بإسداء معروف، أو بتوجيه تربوي، أو بنصح شرعي كائناً من كان.. لم تَخَفْ في الله لومة لائم في كل كلمة حق قلتَها في مجلس خاص أو عام، أو عند إغاثة ملهوف، أو نصرة ضعيف، أو شفاعة لمن ليس له حيلة … عفويتك، وسلامة صدرك، وصدق لهجتك، وفكاهتك كَتَبَت لك القبول لدى الكل».

وعن صفة الشفاعة وقضاء الحوائج التي لازمت أبا صالح مع الأغنياء والفقراء دون كللٍ أو ملل، كتب حمزة النحاس قائلاً: «رحم الله أقدامك الطيبة التي طالما مشت في حوائج الناس ولم يثنها مرض أو تعب، ولم يصدَّها ما واجهت من أذى في سبيل الشفاعة وقضاء حوائج المسلمين، أو نكران أو سوء حتى ممن أحسنتَ إليهم، وما رأيتُ منك سآمة ولا مللاً من حاجة مسلم مهما كثرت حوائج الناس عندك».

لقد كانت صفة الشفاعة عند أبي صالح من النعم والأبواب التي فتحها الله له، ومن التوفيق الذي ساقه إليه، فأحسن فيها إحساناً عظيماً، وأبلى فيها بلاءً حسناً.

سجايا وقِيَمْ:

كتب الإمام الغزالي -رحمه الله- عن علامات حسن الخلق لدى الصالحين من المسلمين، ومما قال: «هو أن يكون كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الصلاح، صدوق اللسان قليل الكلام، كثير العمل، قليل الزلل، قليل الفضول، براً وصولاً، وقوراً صبوراً، شكوراً رضياً، حليماً رفيقاً، عفيفاً شفيقاً، لا لعَّاناً ولا سبَّاباً، ولا نمَّاماً ولا مغتاباً، ولا عجولاً ولا حقوداً، ولا بخيلاً ولا حسوداً، بشاشاً هشاشاً، يحب في الله ويبغض في الله، ويرضى في الله ويغضب في الله فهذا هو حسن الخلق» [إحياء علوم الدين للغزالي: ٣/٧٠].

ولأبي صالح نصيب أوفى من هذه الصفات، فهو معروفٌ بأنه مخموم القلب (التقيُّ النقيُّ، لا إثمَ فيه ولا بغيَ، ولا غِلَّ ولا حسدَ) [صحيح ابن ماجه: 3416]، كما أن من سجاياه وقيمه أنه مهمومٌ بقضايا الأمة، صدوق اللسان، رقيق القلب، قريب الدمعة من خشية الله، سكن المدينة حوالي خمسين عاماً وتعبَّد بها، وخدم طُلاب العلم في الجامعة الإسلامية، وعُرف بالشفاعات الصغيرة والكبيرة للمحتاجين من طلاب الجامعة وغيرهم.

لقد عُرف عن أبي صالح، أنه بذل وقته وجاهه ونفسه لعامة الناس وخاصتهم في سبيل إسعادهم، لا سيما ممن هم بأمس الحاجة إلى الوقوف معهم، وخاصةً طلاب العلم الذين قَدِموا من وراء القفار والبحار، ليس لهم أحد يقف معهم في السراء والضراء إلا من نذر نفسه لمثل هذا العمل الشاق، في تلمس الاحتياج وترويض النفس على المشاق، وكان منزله وضيافته مأوى للبعض وللمعتمرين والزوار كذلك، وهو بحق الرجل الناجح والمتميِّز بتسخير علاقاته لنفع الآخرين، غير متطلع إلى الجزاء والشكور من أحد من البشر.

وممن كتب عن بعض مناقبه وسجاياه الأستاذ صالح بن منصور الضلعان، ومما قال عنها: «منحه ربه عديداً من المزايا والسجايا ومنها: أكرمه الله بالهداية وحب إقامة الصلاة خمسة أوقات بالحرم النبوي. وتميز هذا الرجل بالصدق. والصدق رأس الفضائل، ومع الجميع تعامل بالمصارحة والمناصحة المقرونتين بالبلاغة والفصاحة. ووهبه الله قلباً سليماً وعقلاً حكيماً وخُلقاً عظيماً، وقلَّمَا يجتمعان جميعاً في رجل واحد. أحبه الخالق فزرع محبته في قلوب الخلق، والخلق شهداء الله في الأرض». [الرس والمدينة تفقدان الشيخ محمد صالح الزيدي رجل الوفاء والسخاء- صحيفة الجزيرة]

وعن مزيد من السجايا والقيم أضاف الضلعان بقوله: «أكرمه الله بسلامة الصدر فأحبه الجميع، كما أنه مؤثِّر وله قَبُول في قلوب الناس. السخاء والعطاء وسخاء أبي صالح لن يُصَدَّق! وما كل ما يُعلم يُقال، فراتبه لا يملكه. وبالحرم بعد الفجر وبعد المغرب وفي منزله بعد العشاء يومياً، يتسابق إليه الفقراء والمساكين والمحبون، وبمنزله خصَّص الدور الأرضي للضيوف والزائرين». [المصدر السابق]

وَوَصَف الشيخ أبا صالح صديقه أبو همَّام محمد الشمَّاط من خريجي الجامعة الإسلامية، حينما كتب عن صِدْقِه ورقّة قلبه وخشيته لله، وهو المهموم بقضايا الأمة، وكيف يساعد الآخرين، حتى وَصَفَه بأنه رجل لا كالرجال، المفضال ذو اليد الطولى، ومما قال عن سجاياه وقِيَمه: «كان نُدرةً بين الرجال. ما كَلَّ، وما ملّ، وما وَهن. لا أظن أنَّ طالب علمٍ دخل المدينة المنورة إلا وكان له فيه نصيب: أباً، ومعلماً، وموجّهاً، ومعِيناً. من إفريقيا وآسيا، من أمريكا وأستراليا، من العرب والعجم… لم يكن يترك صاحب حاجة إلا وفَزِعَ له حتى يقضيها». [من رسالة تأبينية]

وعُرف عنه كذلك خصال وصفات حميدة يجمعها فعل الخير للغير، كما ذكر عن هذه السجايا والقِيَم الشمَّاط كذلك بقوله: «إنه الصَدِيق، الصدُوق، مُضيء الوجه البشوش. ما عرفنا منه إلا الخير، وما سمعنا منه إلا الرفق، وما رأيناه إلا في مواطن المكرمات، ومواقف الشهامة. صانعٌ للمعروف، سبَّاقٌ إلى البر. سبَّاقٌ إلى الخيرات، يعطي من قلبه قبل يده، ويواسي من روحه قبل لسانه. من عرفه أحبه، ومن صاحبه وجده سندًا، ومن افتقده اليوم يشعر أن النُبل قد فقد بعضاً من أهله. رحل من كان يزرع في القلوب طمأنينةً لا توصف. كم غرس من أثر. وكم أحيا من قلوب!». [المصدر السابق]

شهداء ومناقب:  

كتب عن أبي صالح الزيدي ومناقبه كثيرون من شهداء الله في الأرض، ومن هؤلاء زميله بالجامعة الأستاذ الدكتور جمال بادي بمقالٍ بعنوان (أبو صالح الورع الصالح) ومما كتبه عن تميزه بحب العلماء والصالحين والدعاة وطلبة العلم: «ومما تميز به حبه للعلماء والصالحين، والدعاة وطلبة العلم وزيارتهم، والتبسط في الكلام معهم، والتأدب في خطابهم، وإظهار الود والاحترام لهم. معروف بحبه للآخرين بما يحبه لنفسه، وكان إذا أعجبه شيء اشترى منه لنفسه وبعض أحبابه وأهداه لهم. ومن تواضعه رغم هيئته وهيبته إلا أنه لا يطلب حظاً لنفسه، ويتحدث مع الناس كأنه واحد منهم، ولا مزية له عليهم. ومن ذلك صبره على طلابه والمحتاجين، وما قد يصدر منهم من تجاوز، مع تنبيهه على الخطأ بأرق أسلوب».

وحول منقبة حبه للعلم والكُتب والقراءة فيها والنقاش حولها، أضاف بادي بقوله: «ومن حبه للعلم أن أبا صالح يمتلك (مكتبة كبيرة زاخرة)، خصص لها غرفة خاصة هي غرفة استقبال ضيوفه خارج مبنى بيته مستقلة عنه. تتكون المكتبة من أمهات الكتب والمراجع، والرسائل العلمية، وكتب الثقافة، أما المراجع فهي لمراجعة المسائل العلمية. أما الكتب الأخرى فعادته يقرؤها أول شرائه لها، ثم يتداول بعض مسائلها مع زواره وأحبابه للفائدة أو الحث والتشجيع لامتلاكها وقراءتها، وكان يُعير الكتب لزواره من طلبة العلم مع تسجيل أسمائهم وتاريخ الإعارة في دفترٍ خاص، وتحديد مدتها، حرصاً على استرجاعها وعدم نسيانها. وقد حكى لي قصصاً لبعض طلبة العلم استعاروا كتباً منه، ومع طول العهد والمدة نسوا إرجاعها إليه».

وعن منقبة اهتمامه بأمور الإسلام والمسلمين، كتب الشيخ عبدالمحسن القاضي عن هذا الاهتمام من خلال بابه المفتوح للمحتاجين قبل مرضه وبعده قائلاً: «لا تكاد تُذكر عنده مصائب المسلمين بالعالم إلا ويتأثّر لمصابهم بكاءً وطلباً للبذل والدعاء لهم، غيوراً على الدين وأصوله متأثّراً لما يناله… رقّة قلبه للمحتاجين جعلته قريباً منهم، قاضيًا لحاجاتهم حتى عُرف في أوساطهم بذلك، وكان بيتُه ملاذاً لهم ولحاجاتهم، التي كان يقضيها لهم حتى أثناء مرضه، أصيب بالمرض فكان صابراً محتسباً راضياً بقضاء الله وقدره رغم صعوبة الألم، ولم يقفل باب بيته عن الزائرين والمحتاجين حتى بشدة المرض جعل الله مصابه كفّارةً وطهوراً».

وكتب عن أبرز منقبة لديه، أستاذه وزميله في تعليم الجامعة الإسلامية الدكتور محمد العبدة بقوله: «توفي في المدينة النبوية داعية غير مشهور عند الناس، ولكنه مشهور في المدينة بخدماته الكبرى للناس، كل وقته وكل جهده لخدمة الناس لطلاب الجامعة الإسلامية، يمشي في حلول مشاكلهم، إنه الجندي المجهول الذي يعمل بخفاء لوجه الله، هو الداعية محمد صالح الزيِّدي، وهو من أهل القصيم مدينة الرس. كنت أقول: إن كان في كل مدينة أمثال أبي صالح يكون خيراً كثيراً، هذا النموذج من الدعاة هو الذي نحتاجه في واقعنا اليوم».

وقد كَتَبَ عن مناقب وصفات الخير والعطاء لديه، أحد خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة، وأحد دعاة طرابلس لبنان الشيخ علي بن أحمد طه، وذلك في تأبينه يوم وفاته قائلاً: «صاحب الأيادي البيضاء والإحسان الدائم، والدال على الخير، حبيب طلاب العلم، ونصير المظلوم، والمعين على نوائب الحق، المحب لله ولرسوله وللمؤمنين، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، الكريم المضياف الذي لا يُغلَق مجلسه، ولا تُرفع قهوته ولا طعامه عن ضيف أو عابر سبيل، المقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، والمحتسب أجره على الله تعالى، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً».

كما كتب الدكتور عبدالله زين العابدين أحد خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية في كلمته التأبينية، عن كثير من صفاته التي أصبحت للأجيال منارات وقدوات يُحتذى بها داعياً ربه بقوله: «وجعل مثواكم الفردوس الأعلى، على ما قدَّمتم لأنفسكم من بذل للعلم، ودعم لأهله وطلبته، ونشر للدعوة السليمة والمفاهيم الصحيحة، وتربية للأجيال الواعية، ونصح للعامة والخاصة، وسائر أعمال الخير والبر، والعبادات والطاعات، نحسبكم كذلك خير سلف لمن خلف والله حسيبكم، نشهد أنكم كنتم منارات يُهتدى بها، وقدوات يُحتذى بها».

وقد رثاه كذلك زميل دراسته في الجامعة الإسلامية محمد الشمَّاط، وأكَّد كغيره على منقبة اهتمامه بإخوانه من كل مكان، حيث كان يعيش الهم ويتصف بالخم، بأبوّة وأخوة وتعليم وتوجيه وعون ومساعدة بقلبٍ تقي نقي، وذلك بقوله: «عرفتُ الشيخ أبا صالح منذ ما يقارب أربعًا وأربعين سنة، منذ هجرتي إلى مدينة المصطفى ﷺ. تعرفت في تلك المدينة على كثيرين، لكن أغلب تلك المعارف انقطعت بانقطاعي عن المكان… إلا أبا صالح، فقد كان نُدرةً بين الرجال. ما كَلَّ، وما ملّ، وما وَهن. لا أظن أنَّ طالب علمٍ دخل المدينة المنورة إلا وكان له فيه نصيب: أبًا، ومعلمًا، وموجّهًا، ومعينًا. من إفريقيا وآسيا، من أمريكا وأستراليا، من العرب والعجم… لم يكن يترك صاحب حاجة إلا وفَزِعَ له حتى يقضيها».

كما أن الشمَّاط وصف بعض مناقبه بصفات لدى الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- من حيث الضيافة والإحسان بالغرباء والمهاجرين، فقال عنه: «كان يتسم بأخلاق الشيخ ابن باز – رحمهما الله – لا تمر عليه ليلة إلا وفي بيته ضيف أو أكثر من أهل العلم وطلبته. لم يكن يتكلف في الضيافة، ولم يبخل يومًا بطعام أو جهد. كثير من أقرانه تابعوا دراساتهم، وحصلوا على شهادات عليا، ونحسبهم جميعًا على خير. لكن أبا صالح… كان في همٍّ آخر، وهمّة أخرى عالية لم يسعَ يومًا إلى شهرة أو منصب، بل كان همَّه: كيف يساعد الآخرين؟ كيف يُسعدهم؟»

ورثاه زميلٌ آخر من زملاء الجامعة وخريجها وهو الدكتور عبدالله الزعبي، مُعدِّداً أبرز مناقبه وأخلاقياته بقوله: «ماذا نقول في أبي صالح رحمه الله، صاحب العمر رفيق الحياة، صاحب الجد والمزح، كريم النفس، خدوم القريب والبعيد، أليف الطباع يألف ويؤلف، حريص على الصلاة في الحرم مهما كانت الظروف، هني الصحبة في السفر والحضر مزوح في الرحلات، ما أحسن صحبته في الحج والعمرة، يألفه القريب والبعيد العربي والأعجمي. لا تنطفئ نار الكرم في بيته في الحل والسفر، هو الصديق عند الضيق، له في كل بلد صديق، يألف ويؤلف، مكانك خال يا أبا صالح، رحمك الله رحمة واسعة، إنا لله وإنا إليه راجعون».

وكتب في تأبينه ورثائه مُعدِّداً بعض مناقبه التي تميز بها، الأستاذ حمزة النحاس بمقال طويل ومما ورد فيه: «رحم الله وجهك الوضيء البشوش، الذي ما رآني إلا تبسم في وجهي، ولا أبصرني حزينا إلا أضحكني وواساني ولزمني حتى يزيح همي، رحمك الله.. كم أدخلت السرور على قلبي!! رحم الله لسانك الطيب، الذي إن تحرك فهو إما بذكر الله، أو بنصحِ مشفق محب، أو أمرٍ بمعروف ونهيٍ عن منكر.. والذي طالما كان يردد: (المدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون). رحم الله عينيك البريئتين، اللتين كانتا عنوان سكينتك وبرهانا على صفاء روحك. وكأنك أنت الطالب وكأني أنا الشيخ، فرحم الله تواضعك، وطيَّبك من طيب الجنة كما كنت تُطيِّبنا من طيبك..».

وعن مناقب كرمه وعطائه وكثير من قيَمِه الأخلاقية ومبادئه، إضافةً إلى تعلقه بكتاب الله، كَتَبَ النحاس كذلك قائلاً: «رحم الله يديك الممدودتين بالخير والكرم والعطاء والعون لكل الناس، البعيد والقريب، والمحسن والمسيء.. رحم الله قلبك الذي تعلق بكتاب الله، وأحب مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختارها ليعيش فيها، وتمنى لو مات فيها ودُفن فيها، وما علمت منه بغضاً ولا عداوةً ولا غشاً لمسلم.. رحم الله روحك التي كانت تأنس بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلزمها في كل فريضة إلا ما ندر، ومن أرادك فهو يعرف في الحرم مكانك، وفي مواقف السيارات مكان سيارتك».

وكتب الأستاذ أبو أنس محمد الغفيلي كلمة تؤكد التواتر فيما كُتب عن مناقب أبي صالح وأبرز سجاياه، ومما قال فيها: «رحل الأخ والصديق الصدوق، المتفاني في خدمة إخوانه وخدمة الفقراء والمساكين، سرت وإياه رفقة في الطريق على مدى خمسين سنة أو تزيد، ولم يتغير ولم يمل أو يصخب من إخوانه، قريب من القلوب محب للناس ولخدمتهم، بيته مفتوح ومائدته دوماً في بيته جاهزة للغادي عليه وللرائح».

كما كتب الأستاذ أبو ياسر علي الزيدي حول منقبة صلة الرحم لديه وتحقيق معاني الأُخوة، ومما قال: «حريص على صلة الأرحام قربت أم بعدت، فهو -رحمه الله- يكاد لا يتركهم من زيارة في كل مجيئ إلى الرس من المدينة، كذلك هو على صلة اجتماعية قوية بأحبته من زملائه وأصدقائه».

كما كَتَبَ الشيخ أحمد القاضي عن أبرز صفة لديه وكذلك عن حضور جنازته المشهود، ومما قال عنه: «ذلك الرجل الشهم النبيل. بالعطف على المساكين. وقد كانت جنازته جنازة مشهودة، حضرها الصالحون من أنحاء القصيم، وشيعها خلق كثير». 

كما كتب بعض المناقب لأبي صالح أحد زملاء الدراسة بمعهد الرس الأستاذ صالح إبراهيم العوض، مؤكداً ما كتبه الآخرون عن شفاعته وخدمته للآخرين، وذلك بقوله: «اختار المدينة النبوية مستقراً وسكناً لحبِّه إياها، وقضى سحابة عمره بها عاملاً ومجتهداً في الخير وطرقه، فقد كان مديراً لمعهد اللغة العربية لغير الناطقين بها في الجامعة الإسلامية، وكان أول يومه في عمله وبقية يومه لخدمة من يفد إليه طالباً حاجة، أحبَّه من عَرَفَه من قريب وغريب، لما يتمتع به من لطيف السجايا وأريحية النفس وسمو الخلق».

  كما كتب عن أبرز مناقبه الشيخ علي طه، وذلك بكَلِمَةِ مَحَبةٍ أخوية ووفاء، وهي شهادة عن مبادئه وقيَمِه مع الآخرين، ومما قال عنه: «أقول إن أبا صالح يعني الكثير بالنسبة لي، ولكثير من المهاجرين والوافدين إلى المدينة النبوية من طلبة العلم، فهو في الحقيقة لي بشكل خاص بمثابة الوالد والأخ الكبير، سواءً حينما كنت طالباً في الجامعة الإسلامية بالمدينة أم بعدها. رجل لم تر عيني مثله، ولم أعاشر مثل هذه النماذج التي تُمثل حقيقةً نموذجاً لرجل سلفي صالح. فالشيخ يتمثل بأخلاق الإسلام، وأخلاق السلف، وأُخُوَّة الدين والإيمان جزاه الله عنا كل خير».

وما سبق من تكرار النقولات عن الصفات والمناقب إنما ورد ليؤكد التواتر، الذي هو غيض من فيض من شهداء الله في أرضه، عن مناقب حدثت بالفعل في عصر من عصور الشهوات والشبهات، وقد تجاوز بهذه المناقب شهوة المال والجاه والاستهلاك ومكاسب الدنيا، وهو ما يُحفِّز الأجيال على الاحتذاء والاقتداء بأمثال هؤلاء الرموز القامات.

رثاؤه من الشعر:  

تتأكد في أبي صالح صفات يصعب أن تجتمع في الرجل الواحد؛ حيث فَتْحُه للباب لجميع الأجناس، وخفضُ الجناح لكل محتاج من الناس، وقولُ الحق مهما كان الثمن. وعن هذا نَظَمَ صديقه وزميله في دروب الدعوة، وأعمال الخير والبر والإحسان الشيخ علي الدهامي خطيب جامع السوق بالرس سابقاً، ومما قال:

يا سائِرِينَ إِلَى المَدِينَةِ بَلِّغوا      
      فُقَرَاءَهَا وَالصَّالِحِينَ سَلامي
ثُمَّ العَزَاءُ لَهُم بِشيخ فاضل
صافِي السَّرِيرَةِ بِالعَقِيدَةِ سامي
من كان فيها فاتحاً أَبوابَهُ           
      مُستَقبِلا مِن كُلِّ جِنسِ ظَامِي
هَذَا مِنَ السَّودانِ أَنزَلَ رَحلَهُ       
      وَوُفُودُ مِن يَمَنِ أَتَتْ وَالشَّامِ
خَفَضَ الجَناحَ لَهُم بِثغرٍ بَاسِمٍ       
وَاحْتَصَّهُم بِالبَذْلِ وَالْإِكْرَامِ
تبكيهِ أَرمَلَةٌ وَشيخ عاجِزٌ          
      وَمَنائِرُ تَهْدِي إِلَى الإسلامِ
قَوَّالُ حَقٌّ ناصِحُ لِرِفاقِهِ             
      أَكْرِمْ بِهِ مِنْ ماجد مقدامِ

كما رثاه الشيخ سمير الجزائري خريج الجامعة الإسلامية، وذلك ببعض صفاته، والتي من أبرزها صفة الشفاعة ونصرة الحق، مع بصمات لا يمكن نسيانها أو مسحها من ذاكرة أجياله، ومما قال حول هذه الصفات:

كَمْ كان يشدو بـ(الشفاعةِ) دائماً        
      في منبرِ الأحرارِ والشجعانِ 
كَـمْ أَلْهَم الطلاب في كلمـاتهِ          
يدعو لنصر الحق في الميدانِ 
شهمٌّ شجاعٌ لا يخافُ من الرّدَىٰ        
      لا ينثنِي من كثرةِ الخُــذلانِ 
إن هاجتِ الهيجاء ينصرُ دينَهُ        
      لمْ يخشْ غدرَ منافقٍ وجبانِ 
في كل ميدانٍ نرى لهُ بصمةً          
في نُصرةِ الأحرار كل مكـانِ 
تبكيكَ أرضُ الرسِّ، والأثر الذي       
      خلّـدتَهُ فيها مـدىٰ الأزمــانِ 

ويأتي في سياق هذه الشهادات والكلمات، والمبادرات والتعبيرات، استذكار الحديث الذي أخرجه ابن حبان وصححه الألباني (إذا أراد اللهُ عزَّ وجلَّ بعبدٍ خيرًا عسَّلهُ، وهل تَدْرونَ ما عسَّلهُ؟ قالوا: اللهُ عزَّ وجلَّ ورسولُهُ أعلمُ، قال: يفتَحُ اللهُ عزَّ وجلَّ له عملًا صالحًا بيْنَ يَدَيْ موْتِهِ حتَّى يَرضى عنه جيرانُهُ، أو مَن حوْلَه) [صحيح ابن حبان: 342]، وفيه تشبيه للأعمال الصالحة للمسلم بالعسل وحلاوته، حينما يفتح الله للعبد أبواب الخير، وتتيسر أمامه الفُرص أكثر من غيره، ومن ذلك نفع الناس وقضاء حوائجهم، وبالتالي يكون رضى الله عنه ثم الناس، ويَطِيب ذكره فيما بينهم، ويكثُر الثناء الحسنُ والترحم عليه من سائر العباد.

البطاقة الشخصية:   

هو الشيخ محمد بن صالح الزِّيِدِي من إحدى الأسر الكريمة في محافظة الرس، ولد عام 1372هـ، وأنهى دراسته الابتدائية في مدينة الرس عام 1389هـ، كما أنهى دراسة المعهد العلمي بالرس عام 1395هـ، وكان خلالها شعلة من العلم والعمل، والدعوة بين زملائه وأقرانه، إضافةً إلى شراكته الرئيسة في المكتبة العلمية الخيرية بالرس ببرامجها وأنشطتها المبكرة.

وانتقل بعد تخرجه من المعهد العلمي بالرس إلى المدينة النبوية، وكان تخرجه من كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة عام 1399هـ، ليكون مُعلِّماً ثم وكيلاً لمعهد الجامعة المتوسط، ووكيلاً للمعهد الثانوي 1399-1408هـ، ثم كانت إعارته للأمن العام لـ(مكتب الشؤون الدينية) 1405-1415هـ مرشداً وموجِّهاً ومسؤولاً عن تنظيم برامج التوعية الدينية في القطاع، لتكون هذه من المحطات البارزة والمضيئة في حياته، ثم كان تقاعده عام 1432هـ.

وكانت وفاة أبي صالح رحمه الله يوم السبت الموافق 8 صفر 1447هـ، بعد معاناة طويلة من المرض على مدى عامين تقريباً، صابراً محتسباً، ودُفن في مقبرة الرس (رقم الصف 91 برقم العمود 8)، وتنادى بعض محبيه إلى إنشاء وقفٍ خيري أو مسجد أو مشروع تنموي خاصٍ به للمحتاجين من طلاب العلم، كما جاءت مبادرةٌ مشكورة من منصة إحسان كذلك باسم (وقف للشيخ محمد بن صالح الزيدي) في دعم المشاريع الخيرية والتنموية الإغاثية، وتم تسجيل هذا بالحملة رقم (CW-1827331).

وكاتب المقال هذا، يأمل من أهل العلم والمعرفة وكُتَّاب التاريخ والسيَّر والتراجم، أن تكون مبادرة كريمة في ضم هذه الترجمة لأي كتابٍ معنيٍ بسير أعلام النبلاء ورموز الخير المعاصرين، أو معني برموز محافظة الرس، أو الأعلام الخيرية في المدينة النبوية، كما أن هذا المقال لا يمنع من الكتابة عنه ترجمة خاصة، تُعطيه بعض حقوقه على الأحياء مع توفر المادة العلمية الكافية.

فالكتابة عن الرموز والقدوات، أصبحت من الواجبات والضرورات، لا سيما في عصور إشهار التافهين والتفاهات، وما في هذا من أخطار على القِيَم والمبادئ للأجيال، وغمطٍ لتاريخ المجتمعات والأوطان، وما فيه من فضائل وحسنات وإنجازات تخدم الأمة والمجتمعات، رحم الله الفقيد وأكرمه بشفاعة نبيِّه، وأسكنه فسيح جناته. 

محمد بن صالح الزِّيِدِي (ملخص صحيفة الجزيرة)

 

د. محمد بن عبدالله السلومي
باحث في التاريخ ودراسات العمل الخيري والقطاع الثالث
[email protected]

لا توجد تعليقات

بريدك الالكتروني لن يتم نشره


الاشتراك في

القائمة البريدية

اكتب بريدك الالكتروني واضغط اشتراك ليصلك كل جديد المركز

تصميم وتطوير SM4IT